تسائلت كثيرا عن مفهوم النجاة، حين أنظر إلى القصور الشديد في السعى في أنواع الطاعات والقربات وقلة الزاد مع طول الرحلة، فيتردد علي سؤال : هل ستنجو؟
حين أقرآ نصوصا صحيحة تحكي عن واقع أناس تنكبوا ولقوا سوء المآل بسبب أعمال أو أقوال تبدوا في الواقع المعاش عادية وغير ملفة من قبيل " وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" و إسبال الثوب، وإذية جار، وقسوة على حيوان، وكذلك ما يؤدي إلى حبوط الأعمال وتلف الحسنات، الحور بعد الكور ففي الحديث: يعمل بعمل أهل النار حين لا يكون بنه وبين الجنة إلا ذراع فيدخلها.. ونواقيس الخطر هذه التي تهدد حياة العبد ونجاته إما منهيات يقع فيها أو مأمورات يقع فيها التفريط ويالكثرتها، ويزداد الأمر خطر حين نعلم أن عادة العبد التقصير ، وأن من الخطايا ما إذا بها العبد قد يختم على قلبه ويعاقب بقسوة القلب..
وحتى الذي يُهدى إلى عمل خيري قد لا يسلم من رأية عمله وتذوق نفسه فيرى أنه قد فاق الناس وسبقهم، وجل من هذه الأمور مما قد لا ينجو منها المرأ، وكانوا يقولون: الذنوب جراحات، ورُبَّ جرحٍ وقع في مقتلٍ.. فتخيم على رأسي غمامة سوداء؛ أن ويحك كيف ستنجو؟!
يخف عنّي ثقل السؤال حين أجد نصوصا أخرى في ذات الدرجة من الصحة، تدعو إلى أعمال من البر خفيفة ويسيرة إلا أنها عظيمة الثواب كثيرة الأجر ، وإلى أعمال أخرى موسمية يحصل من أدركها واغتنمها الخير العميم..
فأجدني في حالة من الوجل فبكلمة تهوي في جهنم سبعين خريفا وبأخرى تحط الذنوب وإن كانت مثل زبد البحر، فيطرقني سؤال الآخر أيُّ الكلمتين تكون الأخيرة ويختم بها العمر؟
قرأت كلاما نفيسا من كتاب زاد المعاد لابن القيم في فصل تحدث في عن إذهاب الحسنات السيئات وإحباط السيئات الحسنات قال رحمه الله: " قوة الإحسان ومرض العصيان يتصاولان ويتحاربان، ولهذا المرض مع هذه القوة-قوة الإحسان- في حالة .. انحطاط وتناقص وحالة وقوف وتقابل إلى أن يقهر أحدهما الآخر" ثم يذكر بعدها أن الذي يميل الكفة هو فعل الموجبات التي توجب رضى الرب ومغفرته أو توجب سخطه وعقوبته.. وكان من دعاء النبي وأسألك موجبات رحمتك.
وبعد قرائتي لهذا الفصل انثالت علي كالطحين عشرات الأدعية النبوية، التي تدور في محور النجاة مثل: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، وسؤال الله حسن الخاتمة، ومن أدعية بعض الأنبياء في القرآن: توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين وغيرها الكثير.. إذن فلا دواء أنجع من فعل الموجبات وسؤال الله الهداية إليها..
علمت فيما بعد أن من مداخل الشيطان على العبد أن يضخم له ذنوبه ويقنطه من رحمة الله، وهذا ما يحذر منه فلا نيأس من رحمة وفي نفس الوقت لا نغتر بها
وهذا السؤال حامل على العمل ولعل من مقاصد ذكر النار وبعض أهوال القرآن في الوحي هي: أن يطلب العباد نجاتهم، وفي آية يقول الله عز وجل: "ثم ننجي الذين اتقو ونظر الظالمين فيها جثيا" وبطبيعة الحال ليس هناك جواب قطعي بنعم، فلا أحد يملك هذه الضمانة، ولكنه الرجاء؛ هو ما نحيى به ويدفعنا للطمع في لطف الله وكرمه مع تقصيرنا الشديد..
تعليقات
إرسال تعليق