كنا نؤمّل في الأمس القريب قدوم الشهر الفضيل، ونعدّ الأيام والليالي لاستقباله، ثم لم يلبث أن أهلَّ علينا وحلَّ ضيفاً عندنا، وأشرق علينا بوجهه الصبوح وبطلعته البهية؛ فحمدنا الله عليه. وبدأت أيامه تمضي تباعاً؛ مضى اليوم الأول ثم الثاني، فالعاشر، فالعشرون، في متتالية سريعة عجيبة!
ووجدنا أنفسنا ونحن نقول: "مضت العشرة الأولى من رمضان"، ثم لم نلبث أن قلنا ذات القول عن العشرة الوسطى، وسلكت العشر الأواخر نفس النهج، فبدأت بالتصرم ليلة إثر ليلة.
مهلاً هلال رمضان.. فإنا لم نرتوِ بعدُ من حوضك، وأرواحنا ما تزال ظمأى، وقلوبنا لم تبتلَّ بنداك بعدُ.
مهلاً هلال رمضان.. لقد كان مقدمك علينا نعمة، ونزولك علينا ضيفاً سعْداً.. استبشرنا بك وأمّلنا مكثك عندنا، فهلا بقيت عدة أيام أخرى؟ ولو حتى يوماً أو بعض يوم!
مهلاً هلال رمضان.. عُمِرت بك مساجدنا، وأصبحت لا تُطفأ سرجها بعد أن كانت لا تُفتح إلا لماماً، فعُمِرت بالساجدين والراكعين والتالين والمعتكفين؛ فهل يرضيك أن تعود لياليها مهجورة فلا قيام، وصباحاتها خالية فلا تتلى فيها آيات الرحمن؟
مهلاً هلال رمضان.. النفس ظمأى فما ترتوي، والروح جوعى فما تغتذي. فيا زمان النور، ويا موسم البركات والنفحات، استبقِ فينا بعض نورك وانثر على أيامنا بركاتك. لم نزل نكابد الشوق إليك وأنت ما تزال بين أظهرنا، فكيف إذا طال بك العهد وصار يفصلنا عنك الشهور والدهور؟
من لنا بمثلك؟ عتقٌ من النار، وتهجدٌ واستغفارٌ في الأسحار، وصيامٌ وصلاةٌ آناء الليل وأطراف النهار. لياليك تتنزل فيها الرحمة، وفيك ليلة خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر.
وكأني بك يا هلال الخير وقد اقترب موعد رحيلك، تهنئ المقبلين التالين لكتاب الله، الذين صاموا عن اللغو قبل صيامهم عن الأكل، أن: "أبشروا بالخير الكثير والفضل الجزيل، فقد والله نلتم السعد وظفرتم بالمجد".
وتعظُم حسرة المفرطين أن: "ابكوا دماً على ضياع الفرص وخسارة الأجر، فقد نزلت بكم ضيفاً فلم تحسنوا رفادتي ولم تكرموا ضيافتي". وتعلنها عالية مدوية: "ألا إنه قضت سنة الله أن تتفاوت همم الناس في مواسم الطاعات، ورمضان سوق قام ثم انفض؛ ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر".
ولكن مهلاً يا معشر الصائمين، لا يفوتنكم مقصد الصوم الأكبر ألا وهو تحقيق التقوى. ولا تغفلوا قبل ذلك أن تلهجوا بالدعاء المتضرع أن يتقبل الله طاعتكم، ولتحملوا همَّ إخلاص العمل؛ فإن الله لا يقبل إلا العمل الخالص. ولتحذروا مغبة الإدلال بالعمل، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم والله غني عنكم.
ألا مَن فرّط في جنب الله في هذا الشهر فإن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، والله يحب التوابين. وإن لله سبحانه وتعالى مواسم أخرى جعلها لعباده حتى تكون محطات تزود بالتقوى حتى يرجع رمضان في عام قابل.
نسأل الله أن يتقبل من محسننا، ويتجاوز عن مسيئنا، وأن يتسلم منا رمضان متقبلاً مبروراً.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفحقا كانت أياما معدودة تصرمت بسرعة، كانت كالبرق الخاطف.
حذفأيام محملة بالدفء الإيماني، والطمأنينة الربانية، أيام قرب وإخبات للملك العلام، خاب وخسر من لم يكن من عتقاء الله من النار، وسعد من وفقه الله بالوقوف بين يديه خاشعا تاليا منيبا أواها.
أحسنت.
فسر على هذا المنوال فسيكون لقلمك شأو عظيم