منذ فترة اقترحت على صديقي سألني عن موضوع يطرحه على مجموعة شبابية ليتناقشوا حوله .. وكان من ضمن ما ذكرته له ظاهرة خيثة بسطت سيطرها على المجتمع الصومالي . بشكل فظيع ألا وهي (شتم الوالدين والطعن في الأعراض) التي تنتشر على نطاق واسع في المجتمع الصومالي ويحملها معه أينما حل وارتحل - حتى صارت- سمة بارزة يعرف بها الانسان النصومالي ..
وليس الحديث عن حكم هذا النوع من السبّ مطروحاً فهذا أمر مفروع منه ومعروف ما يترتب عليه من الأحكام الشرعية لدى الجميع، ولكن الذي يستدعي البحث والتأمل أسبابه وعلة انتشاره - وعدم الانكار الجاد على ممارسيه والتطبيع معه.
وبالحديث عن أسبابه لم أجد سوى سوء التربية في البيوت أولاً والمجتمع ثانيا فلا تجد إلا القليلين ممن عصمهم الله - وملف الاخلاق في المجتمع يحتاج إلى دراسة عميقة - فإن من أهم أسباب انحطاط الأمم فساد اخلاقها .. ولا شك أن ما نتحدث عنه الآن هو من اهم مظاهره، تديني الأخلاق في المجتمع ..
سألت أحد الطلاب الذي كان يدرس معنا في المدرسة الثانوية وقد فُصل فيما بعد. والذي كان معروفاً بمستوى خلقه المتدني ولسانه الذي لا يكف عن السب، لماذا كل هذا السبب يا رجل - فأجاب مبررا: لا يوجد أحد لا يسب ويشتم. وهذا تعليل باطل يُستخدم كثيرا، أن ترتكب الفواحش بذريعة أن الكل يفعل ذلك
- وأكثر من تطاله ألسنة هؤلاء الفساق هي الأمم. هذه الإنسانة الجميلة التي أعطاها الإسلام أعظم الحقوق- وحتى وإن كان لا محالة أن يتفوه الإنسان بشتيمة فلا يليق أن تكون الأمّ هي الهدف... ولا يمر عليك يوم الا وتسمع عشرات الشتائم واللعنات من العيار الثقيل الذي يجرح القلب ويكدر الخاطر تنزل على الأمهات ولا احد سلم له عرضه والله المستعان
وأكاد أجزم أنه لا أحد ممن يمارس هذا الفعل المشين ينكر أنه لا أمر لا يليق أو أنه أمر محرم.. وكان تركه تذمُّما مما يجب إذا لم يُترك تأثُّما..
وإن هذا النوع من السِبَاب خطير ويمهد لانتشار الفواحش والأخلاق المنحرفة والسلوك المُعوجّ في مختلف أطياف المجتمع فمن ذلك مثلا:
أن كثرة تردد هذه الألفاظ البذيئة على الألسن والتي كلها ألفاظ جنسية مليئة بذكر العورات وكشف المستور يجعلها أقلّ حساسية لدى الإنسان لارتكاب الفواحش.. فعلماء النفس يقولون: إن الشيء الذي يتكرر على اللسان يدفع الإنسان إلى فعله..
فتصبح المحصلة؛ مجتمعا سقيم الذوق اعتادت أذنه قول الفاحشة؛ فأدى ذلك إلى انتشارها فيه. ومسألة الذوق العام مهمة جدا في ردع كثير من السلوكيات يأسسها الدين والقيم المجتمعية الفاضلة، فلئن كان ذوق مجتمعنا راقيا، ما كانت لتنتشر هذه السلوكيات أو على الأقل شعر ممارسوها بالحرج والذنب.. والإنسان يترك فعل كثير من السلوكيات لأن الذوق العام لا يستسيغها..
ولكن وفي حالتنا نحن لا ذوق مجتعي يراعيه الناس، ولا تربية متينة في البيوت نعوّل عليها وتكون حاجزا وسداً لمثل هذه الظاهرة.
وشرّ البلية أن نُطبِع مع مثل هذه المساوئ ولا يجد أحدنا غطاطة في يهتك غرضه ويُنال من شرفه بسبّ أمه أو أهله بأقذع الشتائم، وبدل إلجام الفاسق الذي تطاول عليك وسحق وجهه تستقبله بامتسامة عريضة وإن شيأ لم يحدث!
ما يعني أن المستوى الذي وصل إليه المجتمع متدنٍ جدا وفي أسفل القاع تماما
والتلفظ بمثل هذه العبارات الماجنة إذا نظرت إليها باعثها لا تجده سَورة غضب أو حالة سخط أو ما شابهه، بل غلبة طبع تُقال بسبب وبدون سبب، كالفاكهة في المجالس.. والله المستعان
وكما ترى فالمشكلة معقدة وأسبابها متباينة وإيجاد حل مناسب لها واجب محتم، يحتاج أن يقوم به المصلحون والدعاة، وهو داء يحتاج إلى دواء عاجل قبل أن يفتك بالمجتمع..

تعليقات
إرسال تعليق