مشروع تحرير بيت المقدس..



كان تحرير الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس ثمرةً لمشروع طويل وشاق، وجهد متراكم قام به عماد الدين زنكي، ومن بعده ابنه نور الدين زنكي، بالإضافة إلى ما قام به صلاح الدين الأيوبي نفسه. ومن هنا نعلم أهمية تراكم الجهود والمشاريع الإصلاحية البعيدة المدى التي لا تُستعجل فيها الثمرات.
فعماد الدين ونور الدين لم يريا بعينيهما لحظة النصر وفتح بيت المقدس، ولكنهما كانا موقنين تمامًا بذلك، وبذلا كل الجهود التي من شأنها أن تقرب النصر. ولهذا صنع نور الدين منبرًا ليُوضع في المسجد الأقصى حين يفتحه، إيمانًا منه بوعد الله أنه ناصرُ من نصره.
وأخذ مشروعَ التحرير من بعدهما صلاح الدين الأيوبي، وسار على خُطا أسلافه، حتى انتصر على الصليبيين في حطين وفتح بيت المقدس، وجاء بالمنبر الذي صنعه نور الدين، وكانت خطبة التحرير على هذا المنبر.
لم تكن الفترة بين بدء مشروع التحرير وبين الفتح مدة قصيرة كما قد يتبادر إلى الذهن، بل كانت طويلة جدًا، لأن جسد الأمة في تلك الفترة كان ممزقًا، وظهر في كل مدينة أو إقليم أمير أو ملك، ولم تتوقف الحروب بينهم، بل بعضهم استعان على الصليبيين في حربه مع إخوته، والله المستعان.
ولهذا كانوا لقمة سائغة، واستفاد الصليبيون من تفرقهم، وأرسلوا الحملة تلو الحملة، حتى بلغت سبع حملات، يجتاحون ديار الإسلام ويُنكِّلون بالمسلمين حتى جرت من دمائهم أنهار. وهكذا يفعل الكافر إذا وجد ضعفًا وتفرقًا من المسلم، وهي حالة متكررة، ودائمًا نُلدغ من ذات الجحر ولم نتّعِظ.
فترة الحملات الصليبية هذه ومشروع التحرير للأمراء الثلاثة تهمنا جدًا لنفهم أسباب النصرة، ومنها:
• أن التحرير مشروع طويل لا تُستعجل ثماره.
• أهمية جمع الكلمة وتوحيد الجهود وإزالة العقبات؛ لأن كل ما سبق لحظة النصر كان سعيًا في التوحيد.
• أن مصير بيت المقدس والمسجد الأقصى يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة المناطق المجاورة له قوةً وضعفًا؛ فإذا لم تكن العواصم والدول التي حول فلسطين بأيدي المسلمين فإن التحرير بعيد المنال.
• صدق وصلاح أصحاب المشروع، وكونهم لم يدخلوا في المشروع طلبًا لمكسب دنيوي، وإنما كما قال الرسول الكريم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
• تطليق الدنيا وحب الشهادة في سبيل الله، ذلك أن حب الدنيا وكراهية الموت هما سبب ضعفنا ووهننا في جميع الأزمان، صدق رسول الله.
• أهمية التعبد لله وطلب العون والمدد منه؛ ولذلك إذا نظرتَ إلى أصحاب هذا المشروع، كانوا سادات العُبّاد، تشهد المحاريب بقيامهم ودعائهم.
• الأخذ بالأسباب والتوكل على الله في صغير الأمر وكبيره.
• اليقين بالله وبأنه ناصر لعباده ومُظهر لدينه، والظن الحسن بالله سبحانه وتعالى.
• تخيّر البطانة الحسنة والمستشار المؤتمن؛ لأن العلماء كانوا أصحاب رأي عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، وكل أمير كُلِّل عمله بالنجاح، ونحن نعمل اليوم بعكس ذلك.
• أهمية إعداد حمَلَة المشروع الذين يؤمنون به، يحافظون على المكتسبات ويبنون على الجهود السابقة.
• فقه الواقع والوعي بالأعداء وكيدهم؛ ذلك أنك تجد تقدمًا وتأخرًا حسبما تقتضيه الظروف، لا تقديمًا للتنازلات ولا جمودًا على موقف بعينه، ويدخل في هذا أيضًا الهدنة مع الأعداء، وهم كانوا خير من دخل هدنةً مع الأعداء.
• الاستعداد الدائم والاستفادة من الفرص؛ لذلك كان نور الدين يُرى وهو يُدرّب خيوله في غير وقت الحرب، ويداهم الأعداء على حين غفلة منهم.

تعليقات