ركوب طائرة


 

ركوب طائرة

    كان وصولي إلى المطار في الساعة الثالثة فجراً ، وكان هذا أول يوم لي في المطار ، وقع نظري على الطائرة التي سنسافر بها كأنها عصفور عملاق أو نسر كبير ، كان كل شيء في نظري جميلاً وكنت أتلفت يمينا ويساراً معجباً بالمطار والطائرة متشوّفا لركوبها، صعدت إلى الطائرة فاستقبلني المضيفة بابتسامة لطيفة كان وجهها الجميل وابتسامتها العذبة توزع الطمأنينة في قلوب الركاب ، جلست في مقعد قرب النافذة حتى يتسنى لي مشاهدة الأرض من خلالها كيف تبدوا . اكتمل الركب وأُغلق باب الطائرة ، كانت المضيفات تقفن على أول الطائرة ووسطها يشرن إلى الركاب كيف يمكن النجاة في حالات الطوارئ ، كنت أحس بخوف وارتعاش قليل لكون هذه الرحلة الأولى من نوعها . حان وقت انطلاق الطائرة ، بدأ محرك الطيارة بالهدير وزحفت على أرضية المطار ثم استحال الزحف إلى سرعة شديدة به أقلعت الطائرة ، وشعرت في تلك اللحظة التي فارقت عجلات الطائرة الأرضَ ذاك الشعور الذي لطالما شعرت به عندما كنت ألعب بالأرجوحة ويدفعني أحدهم بقوة فيتحرك شيء في جوفي . طار بنا ذاك العصور العملاق ودخل بنا أجواز الفضاء يمخر الهواء ، نظرت من النافذة فوجدت كل بيوت المدينة صغيرة أشبه ما تكون بعلب الكبريت مصفوفة على الأرض وتبدو الطرق من هناك كانها متعرجة تتلوى ، والسيارات كأنها ألعاب أطفال . هناك على متن الطائرة وفوق مدينتي كان منظراً ومشهداً لا أنساه ، سطوح البيوت الملونة ما بين أزرق وأبيض وأخضر ، ذاك الشجر الذي نسميه (شجر الهند) المنتشر بكثرة والمزروع في كل البيوت تقريبا ؛ يعطي للمدينة رونقا وحُسنا ، لم أحس أبداً أثناء وجودي على متن ذلك الطائر العملاق أنني أسير وأمرُّ فوق مدينة أو بحر او غابة ، بل كل ذلك كان أشبه بسجاد عريض أو خريطة تفنن راسمها وأن شخصاً يحركها على مهل . جازت الطائرة فضاء المدينة وجعلت تسير فوق البحر ، إنه لشعور جميلاً أن تكون بين زرقة البحر والسماء ، ولطالما كان لون الأزرق لوني المفضل ، تلك الأشعة التي تقع على البحر تعطيه جمالا ونضرة ، ولا أنكر أن هناك هلعا وخوفا ينتابك بعض الوقت عن إمكانية حدوث خلل للطائرة ، ولكن هذا الهلع إنما تزرعه أنت في نفسك.!

هناك من بعيد بدت لي سفن ومراكيب اقتربت تلك السفن وبدا من خلفها مدينة كبيرة وجميلة جداً ، لأجلها كان يحملني هذا الطائر وتحمَّلت خطورة الركوب على متنه ، مدينة عاشت في خيالي مدَّة بل منذ أن سمعت عن اسمها ارتسمت ملامحها في مخيلتي من إدماني على تخيلها إلى حد تخيل شوارعها وحاراتها وفنادقها التي تبدوا من الصور فاخرة .! عتيقة وصلدة صمدت رغم الحروب والإنفجارات التي تشوه شيئا من ملامحها وتقطف زهرة الوطن والتي أصبحت علامة تعرف به ؛ إنها "مقديشوا" . بدأت الطائرة تهوي من الفضاء على مهل ، وشرع الطيّار يخِرّ بطائرته شيئا فشيئا حتى لامست عجلات الطائرة الأرض واستقرت على أرضية المطار . إن المدن الساحلية تفوق جمالا وروعة عن غيرها من المدن الداخلية البعيدة عن الشواطئ ، النظر من مكان عال على مدينة أو أي مكان آخر يعطيه حسنا لم تكن ستراه لو أنك كنت بالقرب منه ، ولعل جدير بنا أحيانا أن ننظر من مكان عال ونكون راقيين في كلامنا وتصرفاتنا، بدل التسفه والسطحية..!

:) علما بأنني لم أركب طائرة في حياتي ولا ذهبت إلى المطار أصلا..


تعليقات