مدرستي

 



بناء مدرستي مستطيل الشكل وأنيق في تصميمه يراه الناظر فيدهش لروعته وبناءه الجميل، خارج سوره كتبت عبارات حكيمة بخطٍ جميل تستوقف المار في الطريق ليتأملها ويفقهها لأنها لم تكتب عبثا بل لحكمة بليغة. تقع مدرستي في واحد من أقدم وأفخم الأحياء الشعبية والذي أخذت منه اسمه، وفي منطقة آهلة بالسكان في بلدتي، بناءها العالي والبهيج والمختلف كثيرا عن الأبنية المجاورة له يعطيه بهاء وحسنا وكأنه منارة مشعة نوراً يهتدي إليها الضال، موقعها البعيد عن صخب الأسواق والشوارع المكتظة بالسيارات وضجيج المعامل هناك فقط درب ترابيّ يمر أمامها كان قرارا استراتيجيا وصائباً اتّخذه بانوه ولذلك يغمر جوها السكينة والهدوء. أما عن داخل مدرستي فجمال وأي جمال، فحين تدخل من بابها الحديد الضخم بعد بضع مترات تسلّمك خطواتك إلى فناء فسيح ترابي تترامى عليه الفصول من جانبيه، غرزت فيه أشجار وارفة الظلال وعلى مسافات متساوية تقريبا وفي نسق واحد تحت ظل أحد هذه الأشجار يجلس المدير وأمامه منضدته يحاسب المتأخرين عن الدوام ومن لم يلتزموا بالزيّ المدرسي وتحت هذه الشجرة واسعة الظل يقابل أولياء الأمور ، جنوبي هذا الفناء وغربه على الجهة التالية للجنوب، مكتب المدير ، ومكتبة المدرسة وكذلك مكتب المعلمين وغرفة صغيرة للسكرتير مصفوفة جنب بعضها، وفي هذه الجهة في مكان قريب من مكتب المعلمين يقع مسجد المدرسة وثلاث حمامات  وهناك بئرين واحد أقصى شمال الفناء والآخر في أقصى شماله، لسيت المزروعات كثيرة لصغر رقعة الفناء نسبيا على جدران الفصول الموالية للفناء كتب أيضا بعض العبارات ومصورات للقلب وهيكل بشري وتفاعل كيميائي وأشياء أخرى. أمام أحد تلك الأشجار البديعة التي تداعبها الرياح فتتمايل أغصانها كقوائم حسناء ترقص يوجد فصلي الواسع المستطيل، إنها غرفة صِحّية مدهشة تدخل الشمس من شبابيكها الكبيرة وسرعان ما يتجدد الجوّ، إن تلك الجدران المليئة ليس باللوحات بل بالكتابات والشخابيط وأيضا الطاولات مع أنها تشطب شيئا من جمال الفصل إلا أن بعضها ذكريات تخلد لكل من مرو بهذا الفصل، فوق السبورة السوداء الملتصقة بجدار الفصل ورقة مقوّاه كتبت فيها عشرين من العناصر الكيميائية.

 وأخيرا بالرغم من كل شيء ومع وجود بعض التحفظات فحين أقف أمامها واسترجع جميع ذكرياتي معها من الطفولة أحسّ بالفخر والإجلال العظيمين لها، وكم أتمنى أن نظل أوفياء لمثل هذه الأماكن التي ربت عقولنا ووسعت مداركنا، أرى بمشاعري تفيض على نحوٍ غير اعتيادي وفي هذه المناسبة أود أن أقول لنفسي: لست نادما على أنني على أي شيء من تلك الأشياء التي مررت بها مع مدرستي وسحقا لتأفُّفي وتذمري الزائد عن حده وفكرة المغادرة التي كانت تراودني وسأكمل ما بقي معها فكما قالوا: العشرة لا تهون على ابن الحرام كما سمعت في مكان ما.!

11-كانون الثاني-2021

تعليقات

  1. كلمات ذات مغزى، وقريحة طازجة، إلى الأمام أيها البطل لقد أصبحت نجما لقرنائك....

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا يا أستاذي على مرورك الطيب، ازداد المقال شرفا بك.

      حذف

إرسال تعليق