عن البحر

 

ذهبت إلى البحر مع بعض أصدقائي لنأخذ بعض الصور في جو البحر البديع وبالقرب من شاطئه الرائع. قمنا بالاستعداد ولبسنا أجمل ثيابنا كي نخلِّد لأنفسنا صوراً للذكرى. عندما اقتربنا من الشاطئ وجدنا النفايات وأكواماً من القمامة تملأ المكان، وليس هذا بغريب. مشينا على طول الشاطئ متجهين إلى مكان التصوير الذي هو هضبة ناتئة بالقرب من الشاطئ.

لم تكن آلة التصوير كاميرا احترافية، إنما كنا نستعمل كاميرا جوالي، ومع ذلك كفّت ووفت. صعدنا تلك الهضبة حتى استوينا فوقها. وقفت ناظراً أمد الطرف، أبهرني هذا الاتساع الكبير للبحر واستهوتني زرقته. كان هذا المشهد من أجمل المشاهد التي مرّت بي، فقد كان البحر في تلك اللحظة هادئاً إلا من بضع موجات تصفع الصخور بين الفينة والأخرى. وهناك أوقات يكون فيها البحر هائجاً، تتلاطم أمواجه ويضرب الشطآن بأمواج جبارة، فتخاف منه الأبطال وتهابه الأساطيل.

ظلِلنا حتى المغيب نتصور حتى لم تبقَ هناك وضعية إلا وتصورنا بها. كان للمغيب وقع مختلف في نفسي، كان أكثر من جميل. الشمس وهي تختفي في الأفق البعيد داخلة في خدرها، الشفق الممتد راسماً خطوطاً جميلة مع السحب، مشهد استثنائي بكل معنى الكلمة كان لا بد من توثيقه؛ فصورته. لم تزل تلك المشاهد في ذاكرتي حية كأنها الأمس مع مضي سنة ونصف، وكأن نفسي بل وكل جوانحي تريد تكرار تلك التجربة الفريدة.

لنا في البحر منافع كثيرة وثروات جمة لا يحصيها العد. فمن ناحية، البحر يشكل غذاءً لملايين البشر، وهو أيضاً مصدر للثروات القيمة؛ ففيه اللآلئ والجواهر واليواقيت. وفيه أيضاً أعظم ثروة تقوم عليها الحضارة الحديثة؛ وهو النفط. وتُختزن فيه الأملاح المعدنية. إن هناك بعضاً من الناس يصنعون من طحالب البحر خبزاً طازجاً وطعاماً لذيذاً، بل إن هناك بعض الدول التي تعمل على تحلية مياه البحر حتى تصبح جاهزة للشرب ولإرواء عطش الظمآن. والبحر أيضاً مصدر للأمطار، فبعد تبخر مياهه تتحول إلى سحب تنزل الأمطار والثلوج؛ فيحيا الزرع وتنتشر الحياة.

لو أنصفنا أنفسنا لحافظنا على البحر حفاظنا على حياتنا وحياة أهالينا. فنحن لا نضر إذ نلوث البحر إلا أنفسنا. إن تلك النفايات التي نرميها في مياه البحر بكل برودة دم وأعصاب لمرض قاتل للثروة السمكية، والمواد الكيماوية التي تُزج في البحار يومياً تفتك بالبحر جمالاً وثروة ومياهاً. علينا وعلى كل البشر أن نحافظ على هذه النعمة المهداة لنا من رب العالمين. فإن لم يتوقف هذا الإجرام وهذا التلويث للبحر، سيصبح البحر عبئاً ثقيلاً على البشر ويتمنون أنه ما كان.

وصدق من قال: "الإنسان لا يرمي قاذوراته في مائدة طعامه".

الاثنين، ‏16 ‏آذار ‏2020

تعليقات