بسم الله
كنت منذ فترة نويت الكتابة عن تجربة فريدة
حول القراءة أفادتني كثيرا، وكنت مستمتعا بها، أثرت فيّ تاثير بالغ وجعلتني أعيد تفكير في أشياء كثيرة، وايقظت في داخلي نائما، فأردت تدوين هذا الشعور قبل أن يتبدد، وهذا الوَهَج قبل أن يخبوا حتى أعود إليه كلما احتجت هذا الشعور وكلما فترة. واللقاء الذي كان التعاقد فيه على
بدأ هذه التجربة كان صدفة لم يتم الإعداد له بالنسبة لي، ولكن الخير كله كان فيه،
وهي مسيرة بدأت وأرجوا من الله ألا تنتهي..
تضمنت هذه التجربة قراءة خمس كتب طويلة
كان أقل واحد منها يزيد على الأربعمة كلها لكاتب واحد هو الدكتور علي الصلابي، وهي
رحلة في التاريخ كما سماها شيخي نبدأها من أول بدأ الخلق وصولا ليومنا هذا،
استهللناها بكات(قصة بدأ الخلق وخلق آدم عليه السلام) كتاب كبير حوالي ألف
وأربعمئة صفحة، أصبت بالاحباط حين رأيت طول صفحاته وقلت في نفسي محال أن أقرأ هذا
الكم من الصفحات وأنا لم أستطع الإنتهاء من كتب أقل منه أبدأها ثم أتركها، ولكن
بفضل الله تم لنا قرائته بعد شهر وبضعة أيام، لأن الحافز كان أكبر ولأن يد الله مع
الجماعة ولأن اللقاءات الأسبوعية لمناقشة القراءة كانت كل مرة تجدد الهمة وتحفز
على المسير.
الكتاب الأول كان بالنسبة لي نقلة نوعا ما من قراءة الروايات وقصص الفانتازيا إلى نوع آخر من الكتب كان لها الأثر في تعزيز اليقين فيّ ، ومراجعة نفسي كان أمرا رائعا أعود للوراء لأعلم بدأ هذا الكون البديع والبصمات الأولى لخلق الإنسان والحيوان والسماوات والأرض وكل المخلوقات، أتعرف على قدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته من خلقه، مستلهما كل ذلك من القرآن الكريم ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، عموما كان الكتاب كان ذكر الكاتب في مقدمته إجابة شافية لتسائلات الإنسان، كانت رحلة ماتعة قيضتها في رحاب قصة نبينا آدم عليه السلام وميلاد الحضارة الإنسانية الأولى وكيف أُنشئت على عبادة الله وحده، وكان هناك بيان لكثير من المفاهيم المغلوطة حول قصة نبي الله آدم وحواء وخاصة قضية خلقه والسجود له وأكله من الشجرة ومن تلاها من أحداث، لم يكن تأريخا لحقبة ما من الزمن، ولا قصة عجيبة تستهوي القارئ بقدر ما كان كتاب يعزز في قارئه الإيمان ويحي فيه الحس الدعوي ويبين غاية وجود الكون والإنسان، كان أمرا رائعا البدأ به.
تلى هذا الكتاب كتاب
ثاني هو (نوح عليه السلام والطوفان العظيم) يشير هذا الكتاب بعد إلى أحداث ما بعد
نهاية الحضارة الإنسانية الأولى التي أسسها نبي الله آدم عليه السلام بالإيمان
وعبادة الله وحده، حين تلوثت الفطرة وانتكست وزين الشيطان للناس أعمالهم فاتخذوا
من الحجارة آلهة يعبدونها وأصروا عليها واستكبروا استكبارا، فالشيخ يعرض في هذا
الكتاب قصة نوح عليه السلام مع قومه الفجار الذين دعاهم إلى عبادة الله وحده
واتباعه ألف سنة إلا خمسين عاما بكل الأساليب والطرق فلم تزدهم دعوته إلا فرارا،
مستعينا في عرضه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه وبسنة
النبي صلى الله عليه وسلم، إن قصة نوح عليه السلام تعطينا نموذجا عن الداعية الجاد
الذي لا تفتر عزيمته والواقعي العاقل الذي يعرف أمراض المجتمع ومتى يُأتَون وكيف
يأتون، فقد دعاهم ليلا ونهارا سرا وجهرا فرادى وجماعات، كانت الدعوة قد أتتهم في
كل الأوقات وفي جميع الحالات حتى صاروا عارفين بها يعرفون أوامرهم ونواهيها وهم
بعد لم يسلموا، فهاهو نبي الله يدعوهم ويعلن لهم قانون الاستغفار{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
(11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ
وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) } نوح. وأيضا
فإن القصة نموذج لانتكاس الفطر وعدم اتباع الحق مع وضوحه والتواصي بالباطل ووجود
أناس يضرهم نور الحق لطول بقائهم في الظلمات. وذكر أيضا قصة هلاك قوم نوح والطوفان
العظيم وكيف أن الله طهّر الأرض من رجسهم
بأن فتح أبواب السماء بماء منهمر وفجّر الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قُدر
وما حصل بينه وبين ابنه وزوجه التي كانت من المغرقين إشارة إلى الباطل يمكن أن
يتسلل إلى داخل بيت الدعوة ويحوم حوله، هكذا كانت نهاية القوم الكفار الذين وصلت
حالتهم حدا لا يُرجى صلاحه لأنهم أصبحوا شجرة خبيثة لا تنبت إلا الشوك وأرضا بورا
لا تصلح للزرع ولا تمسك الماء، فطُهرت الأرض من دنسهم وحمل الله المجتمع المسلم
بالفلك إلى أرض يمكن أن تزدهر فيه الدعوة ويعيش فيه المجمتع المسلم يعبد الله وحده
لا شريك له وأُنشأت فيها الحضارة الإنسانية الثانية..
كان الكاتب الثالث (إبراهيم خليل الله؛
داعية التوحيد ودين الإسلام والأسوة الحسنة) عرض فيه الشيخ الصلابي قصة النبي
إبراهيم مثل الكتابين السابقين على ضوء الكتاب والسنة، ونبي الله إبراهيم نبي ذو
شريف عظيم ومكانة كبيرة أكرمه الله بها ولشرفه فإن كلا من اليهود والنصارى
والمشركين يدعون شرف الإنتساب إليه وكُلٌ يدعي أنه منهم، فهو الأمة وأبو الأنبياء
وخيليل الرحمن وألقاب أخرى استحقها بجدارة وصفه الله بها في كتابه. بعث نبي الله
إبراهيم عليه السلام في قوم كثرت فيهم الرذيلة والانحلال الإخلاقي وفساد الفطرة
وفي جوٍ يسوده الخراب وسوء التدين وكانت المنطقة التي بعث فيها هي بلاد بابل في
العراق اليوم منطقة تحوي شعوبا مختلفة من ديانات شتى، تحتاج دعوتهم إلى جهد وبصيرة
كبيرين وإقامة الحجة على أهل كل دين وبيان بُطلان معتقدهم، وقد أدى خليل الله
إبراهيم هذا الدور بجدارة وتصدى لذلك المجتمع الفاسد المُشرك بالله وحده في وقت لم
يكن يوحد الله سوى هو وزوجه وابن عمه لوط عليه السلام. وضحى في سبيل دعوة الله بكل
ما يملك فتبرأ عن والده وقومه لمَّا أبوا عبدة الله وسلم لأمر الله حين رأى في
المنام أنه يذبح ابنه وهاجر في سبيل الله
يدعوا إلى الله. إن قصته عليه السلام تعطينا مثالاً للداعية الذكي الذي يعرف إقامة
الحجة على خصومه فلم يتصدى لقوم إلا أقام عليهم الحجة وقلب الطاولة عليهم، فمثلا
حين حين حطم الأصنام وأقاموه أمام الناس ليحاكموه على فعلته وجرأته على آلهتهم حتى
تقرأ الآيات التي وردت في هذا المشهد في سورة الأنبياء الذي يتبين أنه هو من يحاكموهم
ويقيم عليهم الحجة وليسوا هم، هناك الكثير من العبر والنقاط المهمة في قصة أبي
الإنبياء إبراهيم عليه السلام تستحق الوقوف عندها واستنتاج الدروس منها وهذا ما
حرص عليه الشيخ علي الصلابي إذ كان بعد كل موضوع يشير إلى بعض الدروس المُستقاة
منه.. وعند انتهانئا من هذا الكتاب كان الكتاب التالي (المسيح عيسى عليه السلام
الحقيقة الكاملة) كان هذا منعطف جديد من الرحلة لاحتوائه على معلومات كثيرة
وتحليلات للفرق المسيحية وشيء من المقارنة للأناجيل الأربعة ( متى، مرقس، لوقا
ويوحنا) لبيان تناقضاتها والأخبار المغلوطة التي تحتويها وإشارة إلى أن بعضها ذكر
فيه وصف النبي صلى الله عليه السلام باسمه، وكان الكتاب كما هو واضح من عنوانه
بيان لحقيقة نبي الله عيسى عليه وأنه عبد الله ورسوله وكلمته وليس ابن الله ولا
الإلـــه، جزى الله الشيخ خيرا فقد عرض القصة على حقيقتها وبالأدلة والبراهين، كان
الكتاب بالنسبة لي نافذة أخرى انفتحت لي حول المسيحية وما يدور في فلكها تعرفت من
خلالها على نبي الله عيسى وقصته وتلك الحقة التي عاش فيها بشكل أوسع..
أما الكتاب الخامس (السيرة النبوية، عرض
وقائع وتحليل أحداث) فكان قطعا الكتاب الأكثر جذبا وتأثيرا من بين جميع الكتب، كان
أقرب إلى قلبي كيف لا والحديث هنا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحياته
والدعوة وتحدياتها والدولة وتأسيسها، وما زلت استشعر هذه السيرة العطرة وأحاول
الوصول إلى ذلك الزمن البعيد وأعيش في تلك الأحداث، أكون في مكة والدعوة في
بداياتها سرية، يتم اللقاء على حذر في بيت الأرقم بن أبي الأرقم بحضرة النبي صلى
الله عليه وسلم يقرأ ما نزل عليه من القرآن غطا نديا، تارة يكون الحديث عن الجنة
دار المتقين ونعيمها والنار دار الفجار وسعيرها، وتارة عن قصص الأنبياء والصالحين،
ويخبرهم بالأيام المقبلة عليهم وما تحمله من محن وبلايا ومنح وعطايا، وبوقت
ستنتشرفيه الدعوة ويكون للإسلام قوة ولهذا كان تمسكهم بالحق أقوى عندما أوذوا يقوم
عليه الصلاة والسلام بتربيتهم. أتخيل المشهد وهم جلوس حوله منصتين باهتمام بالغ
فرحين ما آتاهم الله من الهدى فقدت استنارت عتمة قلوبهم وطهرت دهاليز أرواحهم،
صاروا أكثر نقاء وصفاء، مضت ثلاث سنوات على هذا الحال انتشر فيها أمر الدعوة، ثم
تلتها فترة أكثر صعوبة فإن كفار قريش لطول مكثهم في ظلمات الشكر أصبح نور الحق
يزعجهم فأبوا اتباع الحق فضيقوا الخناق في الصحابة وتمادوا في إيذاهئم، وكان عجيبا
صبر المسلمين على الأذى الذي يلحقهم جسديا ونفسيا إنها قوة الإيمان، لم تكن تربية
الثلاث السنين عبثا فهاهي ثمارها تتحقق بصبر المسلمين وتمسكهم بدينهم. إذا أردنا
الحديث بالتفصيل فالكلام يطول ولكن ما أود قوله أن فترة مكة كانت فترة التأسيس
للعقيدة وتربية الجيل الأول فأخذت تقريبا نصف حياة الرسول أي ثلاث عشرة سنة. وكانت
المرحلة المدنية أصعب وأكثر تحديا فهناك عدو جديد دخل الساحة هم اليهود مع وجود
عداء قريش، ولم يكن أمرا سهلا تأسيس دولة في ذلك الجو والمسلمون محاطون بالأعداء
من كل جانب، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بكفاؤاته تغلب على كل الصعوبات بمدة
قياسية، ربما يكون هناك تصور خاطئ بأنه مع وجود هذه التحديات الكبيرة والمصائب التي
كانت تتوالى على المسلمين وهذه الحالة الحالة الجدية التي كان فيها النبي يصعب
إيجاد وقت للتعامل في المجتمع المسلم ويغيب جانب الفرح والسعادة والتربية
بالأخلاق، ولكن الأمر كان غير ذالك فالنبي صلى الله عليه وسلم وازن بين هذين
الأمرين الكفائات وجانب التربية، فكان النبي مع هم الرسالة التي يحملها يعيش بين
الصحابة بعفوية وببساطة يحزن عليه الصلاة والسلام لموت امرأة كانت تكنس البيت
ويعاتب الصحابة بأنهم لم يخبروه حين ماتت يفرح عليه السلام لولادة ابنه إبراهيم
ويحزن لوفاته يحب أصحابه ويقربهم كان خلقه الكريم حاضرا على الدوام، وهكذا هي
شخصية النبي شخصية مثالية بلغت من الكمال مداه، تستحق الاقتاء بها بل لا حياة
كريمة بدون الاقتاء بها وأول الطريق هو التعرف عليها . ثم إنني إحب أن أختم حديثي
عن السيرة بمشهدين أولهما يوم فتح مكة حين دخل المسلمون مكة من كل الجوانب ولم
تقدر قريش على ردهم يكبرون الله، حطموا الأصنام وأعطى النبي الأمام للناس ثم أمر
بلالا باعتلاء الكعبة والأذان إنه لمشهد مهيب حقا صوت الأذان يتردد في أرجاء مكة
الله أكبر.. الله أكبر.. هذا الذي يأذن هو بلال الذي كان بالأمس القريب يعذب في
رمضاء مكة وهؤلاء هم الصحابة صدقهم الله وعده فيحمدونه، وهذه مكة خلت من طغاتها
وتم محو الوثنية منها.. فسبحان الله. والمشهد الثاني هو حين اشتد على الرسول المرض
فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس فرفع الستار عن نافذة بيته ورأى الصحابة قياما يصلون
لله فابتسم، هاهي جهود السنوات أثمرت، هاقد قامت للإسلام في الأرض دولة، واطمئن
النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة واستمراريتها من بعده.. إن كل السيرة مشاهد
عظيمة تستحق الحياة والوقوف عندها، فهي ليست قصة أو ملحمة تبدأ بولادة النبي
وتنتهي بوفاته وصعود روحه إلى الرفيق الأعلى.. وعلى هذا علي الاعتراف أنني وقعت في
حبها.!
إن هذه التجربة
وبصراحة جعلتني أُعيد التفكير في أشياء كثيرة في حياتي، وشعرت بشيء من الحسرة على
أوقات كان من المفترض أن أستثمرها في مثل هذا ولكنها ضاعت مني، جعلتني أكثر شغفا
بالقراءة والمطالعة، أيقظت فيَّ نائما وحرّكت في داخلي المشاعر وجعلتني أدرك أن
القراءة شيء أساسي وضروري في الحياة وليست مجرد هواية تمارس وقت الفراغ، وأحمد
الله على أن هداني لهذا وما كنت لإهتدي لولا أن هداني الله.. فاللهم لك الحمد.
تعليقات
إرسال تعليق