حصاد تدبر 1‍‍‌

إن التدبر عبادة جليلة تُقوّي اليقين وتبني وتزيد في صرح الإيمان وتجيب على تساؤلات العقل وتقضي على وساوس الشيطان، وهي زيادة على هذا نعمة عظيمة القدر لمن عرفها والتدبر على اختلافه فإن أولى مواطن التدبر هو التدبر في كتاب الله العزيز والمحاولة الدؤوبة لمعرفة علومه وأسراره وعجائبه بطريقة جدية واستلهام معانيه مع الحرص على تجاوب القلب معه حين قرائته، وهناك فكرة أعجبتني قرأتها في الكتاب القيم(بناء الإيمان من خلال القرآن) للأستاذ مجدي الهلالي -وهو كتاب يجب على كل من يشكو الغربة مع القرآن وأحس بخفوت نور إيمانه ويريد ازالة هذه الوحشة أن يقرأه- تقول الفكرة: استصحب مع كل ختمة تبدأها معنى إيمانيا تقوم بالبحث عنه في ثنايا قرائتك للقرآن الكريم حتى يتجذر هذا المعنى في قلب وبالتالي يزداد به إيمانك، وهناك أفكار كثيرة يذكرها تستحق كلها أن تطبق. وهناك أمر أراه نافعا في تخليد المعاني المستفادة من جلسة التدبر وخاصة في الآيات التي يكون أثره أكبر فيك فقد يكون هناك معنى جديد يتفتق به عقلك ويوصلك إليه تدبرك أو ربما كان أثر أيات ما كبيرا ولامست واقعا فيك أو في محيطك فلكي يُحفظ هذا المعنى ويتأصل لا بد من وقفة عليه وترديده ومحاولة لمعرفة أبعاده ومن ثم كتابته، وإذا عدت لاحقا وقرأت ما كتبت عاد أثر هذه الآية للحياة وعاد لينبوع الإيمان مجراه. وانطلاقا من هذه الفكرة ومحاولة تطبيقها كتبت حصيلة قراءاتي لبعض الآيات تخليدا لمعناها في نفسي وأن يكون لي عونا في زيادة الإيمان التي يرجوها كل مسلم.. وهذه بعض منها:

1.               وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (سورة البقرة:35)

خطر لي وأنا أقرأ هذه الأية أن ذات الأمر لا زال قائما وأن الشجرة المراد عدم الاقتراب منها هي محارم الله وحدوده وبقدر الابتعاد عنها والنفور من قربها يكون رغد العيش حتى ولو لم يكن العيش الرغيد بالمعنى المعروف؛ رفاهية في السكن والمال فالمسلم التقي المحافظ لحدود الله في جنة وسكون بعبادة ربه ويقينه بوعد الله ومعرفته بحقيقة الدنيا بالنسبة للمتعدي عليها إذ هو في عذاب نفسي وخوف وعدم راحة وقلق حول ما ينتظره لإسرافه على نفسه وجوره عليها حتى ولو متع بالمال والولد..

2.               وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ۝ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ  (سورة التوبة:75-78).

الآيات هذه توقظ حس المسلم على خطورة أمر النفاق وكيف أنه يكون عقابا على من لم يجتهدوا في تجنب علاماته وأوصافه، وأنه نبتة خبيثة تنبوا في قلب المؤمن حتى تستحكم القلب وفي الأخير تقضي عليه، وأيضا تبين الآية على خطورة العهود التي لا تعقد ولا توفى بأنها تورث النفاق..

3.               مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة التوبة:115).

الانصراف عن الحق البين والخُلُوص إلى الحرام المبين مع العلم بحرمته ينشئ عنه عقاب بالإضلال، والمرء لا ينجو دائما من طريق الضلال إذا دخل فيه فلربما ضاع قلبه وتعمى بصيرته فلا يعي الحق بعدها ولا يعرفه حتى ولو كان واضحا كل الوضوح وقامت عليه كل الأدلة، هذه الحالة ذكرها الله في غير موضع من القرآن: أقوام جاءتهم البينات وبُين لهم ما يتقون فرفضوا تعنتا واستكبارا فعاقبهم بأن طبع على قلوبهم  فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم..

4.               وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (سورة يونس:61).

هذه الآية سكنت قلبي وأسعدني لأنه أمر جميل أن تستشعر وجود الله وشهادته في طاعاتك فتزيدها حسنا وتزداد بها خشوعا وحين المعصية تزدري نفسك أنك تعصيه فبمجرد تذكر لهذا الأمر تخبو في اللحظة لذة تلك المعصية وهي أيضا جبر بأن الله عليم بكل حالاتك والصعاب التي تمر بها أنت وأمتك في كل ساعة ودقيقة فيسكن قلبك وتطمئن بأنك لست مطيّعا وبالتالي تبذل وسعك لتفوز بمعية الله وعنايته وتزيد توكل به..

5.               فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (سورة هود:116)

الأمر واضح بنص الآية أن الناجون من تلك الأمم المعذبة هم من حملوا على عاتقهم مهمة الإصلاح وتوجيه المجتمع وليس من أغلقوا على أنفسهم الأبواب وقالوا نحن صالحون فلا يضرنا فساد الآخرين، ووالله ليس بصالح من ترك أخوانه يتهافتون في الضلالات ويتخبطون في مزالق الشيطان، وتركهم بكل برودة قلب. فالفساد ليس أمرا يثبت على حال أو يقف عند حد؛ بل إنه عدوى تنداح ومرض يتنشر ما يعني:ألّا نجاة بلا إصلاح..

6.               ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَٰلِحِينَ. (سورة يوسف:9)

أحيانا وفي بعض حالات الضعف الإيماني وفي غمرة الشهوة التي تعتلج في الصدر يحصل أن تبرر بنفسك لنفسك في فعل سيئة ما بأنك بعدها ستتوب وتطوي صفحة العصيان هذه، وأنك بعدها ستكون من الملتزمين وستسلك طريق الصلاح، وكأنك تملك زمام نفسك والرجوع خيار متاح لك دائما.. وتلك سذاجة بل غباء شديد.. فها هم إخوة يوسف برروا فعلتهم بأنها واحدة وبعدها ستعود المياه إلى مجاريها، ويكونون من بعدها قوما صالحين، وهذا ما لم يحدث.. فخطوة بعد خطوة تجد نفسك ابتعدت وشُدَّ على قلبك، وأصبحت العودة متعسرة . ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون..

7.               أَفَمَن وَعَدْنَٰهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ. (سورة القصص:61)

يحدث دائما في الحياة اليومية أوقات ننغمس فيها بالدنيا وشخصيا يحدث لي هذا الأمر.. فأُحدِّث نفسي عن الثراء والجاه والبيت الواسع والزواج أحيانا والاشتغال في التجارة وجني الأموال، تماما كالصحابي حنظلة  ضي الله عنه  الذي حين وجد في نفسه شيئا قريبا من هذا الأمر - مع بعد المسافة- إتهم نفسه بالنفاق وخاف.. فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنها ساعة وساعة. وفي كثرة المغريات والسعي الحثيث وراء الدنيا والهم التي يُحمل من أجلها هذه الأيام، يطمئنني جدا ويرجعني إلى البوصلة؛ أن الدنيا ليست ولا حاجة أن أتعب تفكيري فيها ولا أحزن على ما فاتني منها ولم أنله، ولا أشعر بالدونية حين أرى من مُتِّعوا من المسلمين أو غير المسلمين بها ولا أقول ياليت. فقطعا الأمران ليسا سواء؛ من وُعدوا وعدا حسنا فهو لا محالة لاقيه ومن مُتع في الحياة الدنيا ولكنه في القيامة من المحضرين في العذاب.. 

تعليقات