كان هناك عهد وعزم أخذته على نفسي في وقت مضى بأني سأكتب عن تخرجي من الثانوية العامة مقالا إن صح التعبير، وكان لهذا العزم حماس يلهبه وكنت أعد الأيام لذلك اليوم المشهود، ولكن ومع اقترابه خف اشتعال جذوة حماسي وبالكاد يبعث نورا. كانت جل ملامح الكتابة واضحة وماثلة في ذهني حتى وقت قريب، ولكنها الآن عصية عليّ لا استطيع الاهتداء إليها ولا أدري في أيِّ ركن من الذاكرة تقبع.. أفكر الأمر مليا، أجد باعثه الأول وفاء بالعهد الذي أخذته على نفسي، وليس الفرحة بالتخرج وقطع مرحلة مهمة من حياة الإنسان بنجاح كما كنت أرجو وآمل.. استهل كتابتي بسم الله وحمده وأقول:
كانت بداية صيف 2016 هي التحاقي بالمدرسة وذلك بعد مدة قصيرة من رجوعي من إحدى القرى البعيدة بالقرب من غابات إقليم جوبا السوطى، قرية –جب كما يسميها سكانها تلك القرية الحالمة الغافية قرب إحدى الجداول الكبيرة لنهر جوبا حيث الخضرة والغابات الكثيفة وحياة القرويين البسيطة الهادئة، كنت هناك أدرس علما شرعيا في معهد كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة أمضيت هناك حوالي السنتين، كان رجوعي إثر مقتل والدي-رحمه الله- في أواخر 2015 وبعيدا عن حزني الشديد على والدي إلا أنني كنت سعيدا برجوعي إلى حضن أمي وإلى مسقط رأسي. وكنت أحمل الفرحة ذاتها لالتحاقي بالمدرسة وبداية نمط جديد لحياتي غير الذي كان، كان أول صفٍ جلست فيه هو الفصل الخامس فور غدوِّه أو الفصول في المرحلة المتوسطة، كانت السعادة عندي لا تقاس، وكنت أواظب على الحضور أصل باكراً، أقرأ دروسي وأحرص على حل الواجبات وكنت لا أحتك بأحد في الأسابيع الأولى ولا أسأل أحدا شيئا ولا أكلم أحدا حتى يكلمني، كان حماسي وإقبالي على الدراسة كبيرا، وكان جو المدرسة رائعا بالنسبة لي وكانت هناك مواد أسمع بها لأول مرة مثل العلوم، كنت أستغرب مضامينها وحديثها عن الأشجار مرة وعن الحيوانات مرة.. كانت اللغة الإنجليزية أكبر عائق أمامي كانت معرفتي بها صفرا وكنت حتى لا أجيد أبجدياتها ولهذا كانت مواد مثل العلوم تصعب عليّ. دخلت معهدا للغة تعلمت شيئا يسيرا منها، لم أكن مقبل عليها مع أنه كانت لدي قابلية لتعلمها بدليل أنني بالشيء اليسير الذي تعلمته منها تخطيت به مستويات كثيرة، انصرم العام الدراسي الأول الذي جئت منتصفه وكنت في المركز الخامس إذا لم تخني الذاكرة..
أظن أن الكتابة عن كل صف على حده صعب وكذلك السير حسب التسلسل الزمني، فهناك الكثير لا أذكره، لذلك سأكتب حسب ما تسعفني به الذاكرة. الحماس والإقبال الكبيرين الذي كان لدي تُجاه الدراسة بدأ يقل تدريجيا وبالتالي قل تحصيلي الدراسي وأصبحت اقرأ عند اقتراب الامتحانات فقط، وذلك كان انعكاسا لحال نظام المدرسة المتراخي والذي لا يتعامل بصرامة وجدية في كثير من الأحيان، أي نعم كان هناك حرص من بعض المدرسين على تحصيل الطلاب ومستواهم التعليمي ولكن الجهد لم يكن متظافرا وموحدا وهذه الحالة على أظن حالة عامة في معظم المدارس.
على طول رحلتي في المدرسة كنت دائما أحرص على العزلة بشكل جزئي وأشكل لنفسي مسافة أمان وأحافظ عليها قدر المستطاع فلا أذوب في الوسط، و اجعل لعلاقاتي بزملائي حدودا، كان ثمة شعور أنه لا يجب أن أكون مكشوفا للكل وكأن هناك سرا علي التكتم عليه، وهذا لا يعني بالضرورة العزلة الكاملة فقد كنت أخرج مع زملائي في أوقات الإجازة إلى البحر نلعب كرة أو يكون لي مع بعضهم مزاح وضحك وأحاديث في بعض الأوقات. بالرغم من عدم الاحتكاك الكثر مع زملائي وخاصة من البنات إلا أنني أرى هذه السنوات التي أمضيناها معا ذكرى جميلة وعبقة، تذكرها على هذا النحو يبعث في نفسي الشجون، وبالذات مع شركاء المقعد..
في وقت متأخر في الثانوية بدأت أشعر بالضيق لبعد المسافة التي تفصلني عن التخرج ولأنني ضجرت من الدراسة وفي أوقات كثيرة فكرت أن أنفصل تماماً، ولكن أملا ما خفيفا كان يصبرني؛ بأنها أيام قليلة وتنتهي سريعا، كان الوقت مذ طرأ عليّ هذا الشعور يمر بطيئا جدا ما شكل ضغطا في نفسي كان المنفذ الوحيد منه هو الكتابة وفي تلك المرحلة أكثرت جدا من الكتابة عن هذا الضجر وعن كل ما كان يشكل ضغطا في نفسي سوء كان في إطار الدراسة أو خارجها، والكتابة كانت تنجح دوما في تخفيف الأمر عليّ..
لم يكن الجد والاجتهاد في مرحلة الثانوية على أوجه وحتى لم يكن في الوسط ولكنني في الوقت نفسه لم أكن في الحضيض وكنت من الأوائل في صفي لأنني لم أكن أغيب إلا نادراً، اكتشفت لاحقا إن المدرس ونشاطه ومتابعته للطلاب جانب مهم في تحصيل الطالب الدراسي وأيضا مهم في أن يجتهد في الدراسة وينافس بها، ويتأكد هذا الأمر إذا لم يكن للطالب دافع ذاتي يحركه نحو الدراسة والتحصيل الجيد وماذا أكثر الطلاب الذين لا يكون فيها دافع ذاتي، وفي وقت متأخرا أدركت أنني كنت ساذجا في تعاملي مع بعض المواد بأنها لا تفيدني في شيء ومع أن هذا الرأي فيه نوع من المصداقية في جانب معين؛ إلا أنه ليس هناك علم يخلو من الفائدة، بدليل المعلومات المعرفية المهمة التي تحصَّلت لدي من مواد كنت أدعي في وقت من الأوقات أنها لن تفيدني في شيء..
في الفصل الدراسي الأخير كانت بداياته متسمة بشيء من الجدية في التعامل مع الدروس ولكن لم يستمر الأمر على هذه الوتيرة خف الجد قليلا قليلا، كنت عارفا بفداحة الأمر وأشعر بالذنب وبشيء من الخوف في كل الوقت، حتى اقترب موعد الاختبار الوطني الموحد، وبدأ يُتَداول أخبار كلها كاذبة عن موعده وجدوله وبعض فقراته وفي ذات الوقت كانت هناك بعض المواد لم تنتهي بعد، ومواد أخرى تستلزم مني مراجعة شاملة لأنني كنت خاملا عنها في معظم السنة، التفت لتحصيلي الدراسي فوجدتني أحتاج إلى مذاكرة عاجلة ومكثفة مع قِصَر الوقت، لم يمر وقت كثير حتى أعلنوا قبل شهر عن موعده الرسمي، وصل الاجتهاد إلى أوجه في هذا الشهر قرأنا وراجعنا الكثير أنا وزملائي، وكان الوقت يسرني بنا دون أن نشعر حتى وجدنا أنفسنا على بعد أسبوع من الاختبار ثم وأنا في يومه الأول، لم يكن الأمر هلعا بالنسبة لي ولم أقلق كثيرا، أي نعم كان هناك قلق ولكن ليس إلى حد أن أضطرب أو أصاب بالأرق وفقدان الشهية بالطعام مثلا.. كنت مستحضرا المعنى الذي ذكره الله في القرآن: أن الله لا يطيع أجر من أحسن عملا، من أجل هذا كنت مطمئنا بالقدر التحصيلي والجهد الذي بذلته في المذاكرة مع قِلَّتِه..
أتى أسبوع الاختبار في الثامن عشر من حزيران ولكي يتخذ الأمر صبغة مختلفة كنا ننام في المدرسة في المسجد، لا أدعي أن كل الوقت كان للدراسة وأننا كنا نسير على جدول مستغلين كل الوقت، ولكن الأمر الذي فعلناه في المذاكرة في المدرسة خلق نوعا من الرضى النفسي تجاه أنفسنا.. كان هناك أمر حاضر في ذهني على طول فترة الاختبار، يحثني على المذاكرة كلما التهيت أو فترت: وهو أنني بقدر ما ابذل جهدا الآن يقل ندمي يوم تعلن النتائج..
مضى بنا الوقت نذاكر في المساء وفي الليل وفي وقت السحر وبعد الفجر أسبوعا ننتهي من مادة وندخل في أخرى، حتى كان آخر يوم، أذكر ليلتها كنا ثلة من الزملاء جالسين في ركن بعيد في ساحة المدرسة يتخلل النسيم البارد بين ثيابنا وأجسامنا، وكنت منكمشا التحف برداء واسع، في وسط هذا الجو الرائق والفرحة التي بدأت تتولد لاقتراب نهاية الاختبار، اقترح أحدهم بما أن هذه هي الليلة الأخيرة وربما لن نرى بعضا كثيرا بعد هذا الوقت وكل أحد سيلتفت إلى شخصه وحياته، لنجعلها سمرا وفضفضة ومكاشفة ثم سئل أسئلة من قبيل: ما أكثر شيء محزن وعجيب مر بك أو سمعت عنه؟ ما الشيء الذي إذا حققته كملت سعادتك به؟ ساح بنا الكلام حتى وصل بنا الوقت قريبا من نصف الليل.. بغض النظر عن صوابية الفكرة أو خطأها كنت متحمسا لها ومقبلا عليها بشدة..
انصرم ذلك الأسبوع بكل ما حملت من ضغوطات، ولفترة كنت اسئل نفسي: هل حقاً أنهيت الثانوية؟ بدا لي الأمر غريبا ومن ثم اقتنعت! حكى لي صديق كان قبلي بسنة أنه في الفترة التي كانت بين الاختبار وإعلان النتائج عاش كوابيس وأفكار سيئة، وكنت أخاف يحصل لي ذات الأمر ولكن على العكس كان الأمر بالنسبة لي عاديا غير مقلق، وفي الأخير أُعلنت النتائج وحصلت على التقدير التي كنت آمله، هنا بدأ نوع الندم واللوم بأنني لم أجتهد كفاية في بعض المواد ولكنها سرعان ما ولت واضمحلت ككل الأفكار المؤرقة..
كانت فرحة غامرة بانقضاء مدة الدراسة، بعد أسبوع الاختبار مباشرة أعددنا لرحلة قصيرة في إحدى المزارع في ريف المدينة، رحلة استجمام.. استراحة المحارب كما يقولون، لم يكن الكل صراحة يستحق تلك الاستراحة، كنت أُعول جدا على هذه الرحلة في خلق حالة الألف ومد جسور المحبة بين الزملاء، أردتها حكاية وحديث أُنس للجميع وبتعبير أدق أردتها تعارفاً! ولكن لم يسر الأمر كما كنت أرجو وأخطط، واقتصر الأمر بالغداء والتقاط بعض الصور التذكارية، حتى جمال الموقع لم آخذ كفاية منه؛ لمحدودية الوقت الذي كان لدينا ولكنها كانت من ألا تحصل..
لقد فقدت كثير من الذكريات والمواقف التي كنت أحملها عن المدرسة جماليتها وعنصر الجلال الذي فيها، والذي كان يسترعي مني الكتابة، لقد ضمرت خيالاتي في تصوير الأحداث والذكريات وأقف حائرا هل أنهي الكتابة أم أواصل.!؟ أعتقد أن ما سيُكتب بعد هذا سيكون شيئا مُتَكَلَّفاً لهذا لا مفر من أختم كتابتي وإن كان العشم أن تطول أكثر من هذا..
وصلى اللهم على نبينا محمد والسلام عليكم..
4 أيلول 2022

تعليقات
إرسال تعليق