من محاسن الصدف.!!

 توطئة:

كنت من مدة أردتّ أن أسجل هذه الرحلة وأوسمها بهذه الكتابة هذه الرحلة التي دامت أربع أعوام، تشهد أكبر تغيير لحياتي رحلة  بدأت من العمى إلى البصيرة من الجمود الذهني إلى الفطنة والإدراك.

   في أواخر عام 2018  وفي إحدى المساءات كنت مع صديق لي في مسجد الحي نتجاذب أطراف الحديث فطلب مني أن أصحبه إلى حلقة تفسير كان يغيب فيها بعض الليالي فذهبت معه ورافقته إلى الحلقة التفسيرية، فما أن جلس المفسر على الكرسي حتى تعجبت من شبيبته! وسألتُ نفسي كيف يفسر القرآن الكريم وهو بهذا السن! لأنني تعودت ذوي الشيبة وكبار السن أن يجلسوا مثل هذا المكان.!

   بدأ المفسر شرح الآيات بالتفصيل والترتيل فجذبني كيفية تفسيره لكتاب الله وتنسيق الآيات بعضها البعض وفهمه الدقيق لآيات الله واستقطافه بسنة النبي-صلى الله عليه وسلم- وبلاغته الرائعة المبهرة وإتقانه للغته الأم وآدابها، ومعرفته الواقع الذي نزل فيه القرآن الكريم وارتباطه بالواقع الحالي.

   فحينها أزمعت البدار إلى الكأس الذي عبَّ منه أو المكان يصبُّ فيها هذه المعاني حتى أزداد بقربي له تأدبا وعلما فأرشدوني إلى (أكاديمية النور) مربع التربية والعلم معا -ولكن كل الأساتذة كانوا مثل الذي رأيته في المسجد وسيأتي حديثهم قريبا- ورحبوني بكل ترحيب وما كان هذا إلا توفيقا من الله سبحانه وتعالى .


 سؤال الجدوى يؤرِّقني:

     في هذه السنة كنت على وشك التخرج من المدرسة النظامية وأمضيتُ فيها مُدة من الزمن ودرست موادا مختلفة تثقل منكبي من كثرتها ثم لا تغني عن أمر جلل ومُختار القليل أقل منها وأتساءل يا محمد إنك إن تخرجت عن المدرسة ستسألك أسرتك بماذا أهدرت وقتك كل تلك السنوات التي كنت ترتدي فيها زيَّ المدرسي؟ وما الذي أنتجت من بكورك إلى ميدان التعليم؟ 

ولم أجد جوابا مناسبا فبينما أنا على هذه الحالة من التيه والحسرة إذ رأيت زملائي في المدرسة يتساءل بعضهم بعضا نفس السؤال تنفستُ بعمق وعلمت بأن الأمر لا يقتصر عليّ وحدي.

  

الإنضمام إلى منبع النور:

    هنا كان انطلاق السير كانت البداية والانطلاقة أو ما يسمى 《عملية التبصير》 إلتحقت بمعهد النور كان موقعه الجغرافي يقع في قلب المدينة بعيد عن ضوضاء الأسواق والمصانع يمر أمامه طريق معبد تترامى على جانبيه المنازل والحوانيت وصيدلية في نفس مبناه، إنه يمتاز بالنظافة والأناقة وبحب الطلبة للنظافة الذين أنشئوا يتسابقون لإماطة الأذى عن ساحته، وعند باب المعهد شجرة ضخمة تقف بهدوء وكأنها ترحِّب بالمارّة أن إلى هنا الطريق!

عندما إلتحقت بالمعهد في أثناء تخرجي عن المدرسة النظامية قاصدا إلى الجامعة قالوا: إنك رَجعي يتخطى إلى القهقرى؛ تعود إلى المعهد وأنت الآن في المرحلة الجامعية، لكني ما ألقيتُ لتلك الأباطيل بالا.


الزملاء والأصحاب:


 انضممت إلى "النور" وبدأتُ مرحلة الإعداد؛ لأنني كنت خاوي الوفاض بادي الإنفاض فولجتُ غابة الجمع، وانسجمتُ بأصحاب ورفقاء غذوا بلبان البيان وسحبوا على سحبان ذيل النسيان ما فيهم إلا من يُحفظ عنه ولا يتحفظ منه ويميل الرفيق إليه ولا يميل عنه فاسطحبنا على طريق المجد و درب المعرفة. 

  هنا عرفت قيمة الصحبة الصالحة وزملاء يحثونني على الجد والاجتهاد في طلب العلم واستسقائه من كل وابلٍ وطل وترابط الأخوة والتعاون فيما بينهم والعناية الفائقة التي أثارت شعوري من تضحية وتقدير وتبادل الأفكار والاقتراحات.. فعلا إن الاصدقاء الصالحين نوع من النعيم.


   يحتاج كل شخص إلى من يكون له داعما وشريكا في الحياة يتمكن من مقاسمته الهموم والأفراح وكلنا مثل ذلك نتقاسم ما يطرأ لنا وكنا نحب أن نقوم ما نعمل به بحب وتنافس واستباق إلى الخير والعمل الجماعي نساند بعضنا في الارتقاء بأنفسنا، فصداقتنا هي روح تبعث الشعور بالأمان والهدوء، فلا يمكن وصف هذه الصداقة بكلمات عادية وإنما هي حالة يمكن كتابتها بمطولات ومُجلدات، فمن منا يتمكن من نسيان تلك العلاقة وما أوجدته في نفوسنا من مشاعر أقل ما يقال عنها غاية بدفئها وروعتها أنها جنة.! زملائي الميامين وزميلات الكريمات شكرا لتعاونكم وشكرا لتفهمكم وبارك الله جهودكم ومتعكم بالصحة والعافية وأسأل الله أن ينال كل منا ما يطمح به.

والآن وقد تخرجنا ومضت علينا مدة أربع سنوات وأكثر حافلة بالإنجاز والبناء العلمي الرصين، لم نكتف بعد بل ازددنا تعطشا بالعلم وشغقا به، وعلاقتي بزملائي تعدت مشاركة للمقاعد حتى صارت علاقة أخوة في الله متجذرة في الأعماق، حماهم الله من كل سوء..


  الأساتذة:

   رغم أن عدد المدرسين يتجاوز عشرة أساتذة إلا أن لهم طباع متفقة من ناحية تعاملهم مع الطلبة، إن مقصد المربين كان تنشئة جيل فريد من نوعه وأكثر تأثيرا منهم في مجتمعه وكيانه المحيط به جيل واعي متنبه بما يحدث في العالم كله جيل يفكر لدينه ولأمته الإسلامية، جيل يحمل رسالة الإسلام إلى الدنيا بأكملها وينفض الغبار عن راية الحق والجهاد بكتاب الله كمال قال الله تعالى (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) 


 هؤلاء المربين جمعوا بين العلم الشرعي والمادي ولا يمكن للإنسان أن يكون داعيا مؤثرا إلا إذا استوعب ثقافة العصر آنذاك يصير كلامه هادفا وحاسما، كنا مع كل درس نأخذ جرعة وعي بالواقع المحيط بنا، تحلّوا صفات الأنبياء والصالحين، وتعلمتُ معنى التواضع والصبر والحلم وروح العمل الجماعي واحترام كل فرد من أسرة "النور" وتعلمت أن قلة الإمكانيات لا تعني عدم إمكانية الإثمار.

 مما لا أنساه أبد الآبدين أولئك المعلمين قد أُعجبت بعلمهم وخبرتهم العميقة للمواد التي يدرسونها وأخلاقهم وتماسكهم فيما بينهم وابتساماتهم التي تشفي الغليل وعطفهم على المشاغبين ولين جانبهم وتفقدهم بأحوالنا وشحذ الهمم إلى العُلا وتحذيرهم عن التيارات الموجهة إلينا بوقوعها حريصين على مصالحنا، ذلك الأمر هو غير مجرى حياتي ووضع فاصلة  للتلاهي واللعب الذي ضيعته بحياتي. 

  تذكرة: إن كانت المدرسة النظامية تعلمني الدرس ثم تختبرني فمدرس المعهد يختبرني ثم يعلمني الدرس؛ لأنه تخرج من مدرسة القرآن الكريم شكرا على كل معلم غرس نوره في صدري وبقيت ذكراه في قلبي.

ما يمكن أن يقال في مثل هذا الموقف كثير جدا، والذكريات والمواقف لا حصر لها، وتدفق شعور السعادة والغبطة بهذا المكان وأهليه لا يكف عن الجريان في جوانحي، فلا أجدى من الختام والاكتفاء بهذا الغيض.!


#محمد_طه

 

تعليقات