آلام وآمال وطموحات..{1}

لأيام وأنا أحاول إيجاد فرصة أو بشكل أدق فرصة مناسبة للكتابة، كانت النية أولا في كتابة استذكارية للعام المنصرم، وعرض الاخفاقات والإنجازات فيه؛ حتى تأسس لنظرة جديدة وتعامل سليم للعام الجديد، وهاقد انتهى الشهر الأول من السنة، ولم أخُطَّ حرفا واحدا بعد.. أعرضت عن هذه الفكرة وإن كانت بقاياه موجودة، إلى كتابة أخرى لا تقل أهمية بالنسبة لي وبينها وبين تلك شيء من التداخل، لم أقف على تسمية لهذه الكتابة، وإن كان يمكن إدراجها تحت مسمى: آلام وآمال وطموحات.

قبل عدة أشهر التحقت ببرنامج إلكتروني تفاعلي في المجال الشرعي، أنا الآن بصدد ختم الفصل الثاني منه، وكان فيه النفع العظيم والتأسيس المتين لقضايا عدة في المجال العلمي والفكري ومجال التزكية والعقيدة.. شكلت نقلة نوعية عن الواقع الشخصي والعام، ونثرت في نفسي بذوراَ زكية وأنعشت أخرى، أصبحت لدي مسؤولية واضحة وهدفا أوضح أكافح وأناكف من أجله. وإن أعظم ثمرة حصلت لدي قضية حمل الهم والمسؤولية واستشعار تأكدها وضرورة القيام بها الآن دون أي وقت مضى. واعظِمْ بها من ثمرة!

تبين لي أهمية قضية المنهجية في الطلب والصبر عليها واستصلاح النيات، وأن المعالي لا تنال إلا على جسر من التعب، وتحسرت على أيام الطلب التي لم تكن هذه القضية واضحة عندي، في ضمن هذه القضية أدركت أيضا أهمية تدوين الفوائد وكتابة الفرائد، وأصبح القلم والدفتر لا يفارقني في معظم الأحيان أتصيد الفوائد تصيدا، وما أكثر ما قرأت واستمعت دون كتابة، فأصبح العائد قليلا والفائدة محدودة.. استبان لي أن طريق العلم شاق وطويل وأنه كما قيل: لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.. فأين لنا بمثل هذه الهمة. الله المستعان

ولا شك أن من الثمرات العظيم الأمل الذي انبعث حيا في داخلي، فأصبح باعثا للعمل والعطاء وبذل الجهد في البناء، وولّد طموحات عظيمة هي في مصاف النجوم؛ قزمت بل سحقت أخرى كانت كبيرة في نظري فأصبحت ليس لها وجود في النفس، أو فقدت قيمتها فأصبحت غير مؤثرة.. أعني بالأمل أمل العمل لهذه الأمة وأن الصلاح والإصلاح مهما قل يجدي، أمل في الأجيال الصاعدة وأصحاب الخير، أمر في هذه الأمة وأنها ولودة لا انقطاع لعطائها، أمل وفأل خير مستمد من أنوار الوحي، وأنها ما ضاقت إلا لتتسع..

وأدركت أيضا أهمية قضية التزكية ومركزيتها في السياق الإصلاحي والدعوي، وفي السير إلى الله عموما، وأن جانبا كبيرا من أعمال الشريعة يركز على هذا الجانب، وهي أيضا من القضايا التي ذكرت في الوحي بل إن من مهمات النبي صلى الله عليه وسلم أن يزكي قال تعالى:﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[ آل عمران: 164]

ومن الفتح العظيم أيضا: أن أدركت أهمية العقيدة مفهوما عمليا لا نظريا، وأنها ليست مجرد أقوال ونصوص تحفظ ويجادل بها في عمل وروح وزكاة ورضى، وأنها ومع كونها دفاعا وحصنا ضد الشبهات، أيضا هي سلاح للمؤمن، وأنها من الأهمية بمكان، وضروري ألا نغفل عن مقاصد العقيدة في الشريعة التي أولها التعرف والعلم بالله وتثبيت أصول الإسلام ثم العمل على مقتضى ذلك العلم، ونحصرها في الجانب الحجاجي والجدلي مع أهميته..

وإلى جانب هذه الآمال وهذه الثمار العظيمة-أسأل الله بقائها زيادتها- نفس محرق من الواقع وكثرة فتنه ومن الشيطان ومكره ومن النفس وهواها يزاحم ويصاول هذا الصلاح وهذا الخير، يطغي علي أحيانا فيغبش عليّ الأمور وأحيانا يعيد ويحي فيّ ما أمتُّه وأزحته جانبا؛ من أمور الدنيا ومن شبهات وأفكار منحرفة عن أصول ومركزيات الدين وأسئلة مشككة كنت أصرف ذهني عنها لعدم توفر أجوبتها عندي نجاني الله منها، ومن شهوات وأهواء نفسية.. فأنا على صراع دائم معها.

وعلى صعيد واقع الأمة وبدائرة أضيق المجتمع القريب الذي أعيش فيه، لكثرة الأهواء والفتن وخطورة المكائد التي تحاك، وبشكل خاص للشباب والصغار، من موجات الأفكار المنحرفة، التي تضخ وبكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي، ونظام التفاهة الذي استحكم، بت أخاف وأصاب بالذعر حيال هذا الأمر وبدأ التشاؤم يتسلل إلى داخلي.. ولولا بقية الخير القليل هنا وهناك لكان الواحد منا يفقد الأمل وورائه مسؤوليته تجاه نفسه وأمته!..

مشكاة النبوة.. كما قرأت في مكان ما، أنه تعبير دقيق جدا للسيرة النبوية الشريفة، فالسيرة أنوار وفتوحات لها مكان في الواقع تصلحه وتضبط توازنه، بحكم قرائتي مرة للسيرة، أحببتها أكثر، وهي من أهم مستمدات الإصلاح والتربية، أعطتني الأمل والدفع لاستصلاح نفسي وبحث مكان لها في واقعي وعرض تساؤلاتي عليها وطلب الأجوبة منها، وثم المحاولة لاسترداد بعض من نماذجها في مسيرة حياتي، والموازنة بينها وبين الواقع ومد الجسور بينهما.. يا للسيرة ما أعذبها. ثم إنها بمثابة قواعد هدية ونور تنتظر من يستخرجها وفق فقه سليم ويستكشف ما بها من هدايات..

تسائلت كثيرا عن مفهوم النجاة، في الحياة حين أنظر إلى القصور الشديد في مسعاي وكثرة تخبطي وذنوبي وتردد علي سؤال : هل ستنجو؟ وهذا السؤال حامل على العمل وبطبيعة الحال ليس هناك جواب قطعي بنعم، فلا أحد يملك هذه الضمانة، ولكنه الرجاء؛ هو ما نحيا به ويدفعنا للطمع في لطف الله وكرمه مع تقصيرنا الشديد..

في واقع حياتي الخاصة تسائلت وقبلها سألني واحد من أحب أساتذتي إليَّ؛ الأستاذ زبير-صاحب الأسئلة العميقة التي تنم عن عميق فهم، والقارئ النهم، سألني في لقاء عابر في أحد الليالي عن هدفي من الحياة وما نفعك كفرد في أمتك؟ في أي علم تريد نفع الأمة به؟ كانت الأسئلة كبيرة جدا والجواب عليها كبير، فأنا وإن كان الهدف البعيد محدد فكثير مما دونه لم أحدده بعد، أذكر أن صدى تلك الأسئلة ما زال يتكرر في ذهني، وكان أهم أمر أكد فيه علي حين رآني أقرأ عدة مرات ألا أذهب بعيدا عن واقعي وفي أضيق دوائره مجتمعي فالإصلاح وكذا تنزيل الأحكام يجب فيه مراعاة ظروف الواقع ومن يعيش فيه.. وكان ذلك اللقاء على صُدفته وبساطته كبير الأثر في نفسي..

يزاحم هذه الفكرة أعني فكرة نفع الأمة والدعوة والإصلاح- فكرة أخرى على النقيض تماما، تنحصر في إطار الدنيا، وإدراك بغية وحاجة في التملك وجني الأموال، وفي الجانب العلمي التخصص في مجال فيه عائد مالي، ويُفاخَر به الناس، ولا شك أنها فكرة ليست في محلها على العموم، فنظرا لتوجهي وأما أبذل به معظم وقتي لا يصب في مصلحة دنيوية في المقام الأول، ولكن أيضا لضغط الأهل ومراد الوالد إعتبار في هذا الأمر، ثم اهتديت إلى أنه يمكن جمع الفكرتين ولا تناقض مباشر ولكن تقدم الأولى وتراعى الثانية، لأنني وجدت في الواقع كثيرون ممن أفرطوا في الجانب الأول ونسوا نصيبهم من الدنيا فكانت النتيجة بسقوط حاد وتحول الأمر على النقيض والشيء إذا زاد عن حده تحول إلى نقيضه، فالأمر يحتاج إلى موازنة، فلا إفراط ولا تفريط، وإن كانت الحُظوة والأهمية الأولى لقضية الدين والعمل له..




تعليقات