العيد كما ينبغي أن يكون..


كعادة كل عيد تقريبًا، لا أملك قياد مشاعري التي تفيض كلما صدحت المآذن بالتكبير والتهليل، ولا أستطيع إيصاد باب الذكريات التي يُفتح عليَّ. وبطبيعة الحال، لا أملك رفاهية أن أرقص فرحًا أو أتطاير مرحًا، فقد مضى ذلك في الطفولة، ولا أجد طريقة للتعبير عن مكنون نفسي سوى الكتابة، فهي ملاذي في مثل هذا.

مع الأيام، أدركت أن معنى العيد يختلف باختلاف مرحلة العمر التي يمر بها الإنسان، أو بالأحرى مدى نموه الفكري. ما أعنيه أن كون العيدين؛ عيد الفطر وعيد الأضحى، أحدهما بعد رمضان والآخر في آخر عشر ذي الحجة، ليس أمرًا بالصدفة. إذن، الأمر هو فرحة بتمام مواسم الخير هذه، وسرور بالطاعات والقربات التي عملها العبد. وهذا بعض ما أشار إليه شيخي عبدالفتاح الليلة في كلمة جميلة في مسجد الحي.

ثم إنك تتحسر على غياب هذا الفهم عند كثير منا، وكأن رمضان كان عبئًا ثقيلًا علينا، فنحن نعجل برحيله، وفرحنا بالملبس الجديد والزيارات والذهاب إلى الحدائق أكثر من فرحنا بتمام رمضان لنا على خير. وقد ذكر النبي ﷺ حديثًا يعبر عن هذا فقال:
"ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف الوعيد."
وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول عند رحيل الشهر:
"من هذا المقبول منا فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه. أيها المقبول هنيئًا لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك."
جعلنا الله من المقبولين. وأنصت إلى هذه الآية من الذكر الحكيم فيما ينبغي في مختتم رمضان وفي يوم العيد:
قال تعالى:
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

ويذكر العلماء أن من علامات القبول في هذا الشهر اتباع الحسنة بالحسنة والثبات على الطاعات بعد رمضان، فرب رمضان هو رب يوم العيد وسائر شهور العام. وبدل هذا، تجد من بدأ بالانتكاس في آخر أيامه، ويظهر بعض المظاهر غير اللائقة والمخالفات الشرعية في يوم العيد، من الاختلاط واستباحة كل شيء تقريبًا.
فعندنا في حينا وفي عموم المدينة، الصغار والشباب حلقوا نصف رؤوسهم بدعوى: "إنه يوم العيد يا رجل، لا تحرم الناس من الفرحة!" وكأن العيد لا تتم فرحته إلا بمثل هذه الأفعال السافلة الساقطة، ما لنا نستورد كل سلوك مرذول وكل ثقافة مستقبحة لا ترضي ربا ولا تتقيد بعرف..

إنه الغزو الثقافي بعينه الذي مسخ هويتنا وأضعف قيمنا وضيع مقدساتنا، حتى أصبح الشاب همه الأكبر أن يكون نسخة مكررة لأجنبي سافل يقلده في الكلام واللباس والسلوك. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يا قومنا لتكن أعيادنا شكرا لمولانا نفرح بحدود الشرع وبطوابط الشريعة، ففيه الخير والصلاح والسعادة..

تقبل الله صلاتنا وصيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا.. اللهم آمين.

تعليقات