الشتاء

ها هو الشتاء يقف على أبواب البلد ، جاء بجيوشه الجبارة يهدد ببرده ويتعود ، استفاق من سباته العميق ، فخافت منه الطيور ، واختبئ من لسعات برده الناس ، بدأت رياح الشتاء العاتية تشِفُّ ، بدأ فصل الجمال والحياة .... بدأ الشتاء

سُحب الشتاء التي يزحف بعضها فوق بعض لم تلبث أن أظلت وتشابكت وأخفت زرقة السماء وبدت الشمس من خلالها صفراء مصعوبة الجبين ، بدأ المطر يهمي وينهمر بشدة ، ومن دون سابق إنذار ، لم نشعر إلا وقطرات المطر تنقر سقف المنازل ، والناس يركضون ويحتمون منه ، كان البرد قارساً يلسع الوجه ، والريح تعوي وتصفر وتذهب بخيوط المطر هنا وهناك، وبدأ الرعد يقصف بشكل مروع كأنه قذائف مدفعية ضخمة، أصاب الجميع الذعر، والبرق يضيئ بشدة ويكاد سناه يذهب بالأبصار... جميل هو الشتاء ، جميل بشكل لا يوصف ، عندما تستغشي جلبابك وتنقبض لتدفئ نفسك ، عندما تنظر من شباك غرفتك وترى خيوطا ممتدة نحو السماء ـ وحين ترى ركض المارة ، وترى لعب الأولاد تحت المطر ، عندما تسمع دوي الرعد ، كأنه طلقة مدفع قوي .

وعند انتهاء المطر وخروج الناس بالملابس الثقيلة منكمشين متشنجين من شدة البرد ، يدفئون أنفسهم بالحركة ، يتقون المطر بمظلاتهم ، أعناقهم تشرئب إلى السماء يترقبون أن تجود السماء بمائها ، أما عن الشوارع في بلدي فما أن ينتهي المطر حتى تمتلئ بالمياه وتتعسر الحركة ، وإذا أردت الخروج فعليك أن تخوض برجليك في الماء ، والسوق في حالة يرثى لها فقد توحّلت أرضيته ، وبات عليك توخي الحذر عند مشيك داخله ، في بداية النهار ترى الطيور مسرعة تلتقط رزقها على عجل كأن هناك شيء يقلق وجودها ، تأوي إلى عشها في وقت مبكر لتدفئ فراخها و تعطيهم حنانها .

ليالي المطر الشتائية وانتشار الغيوم السوداء القاتمة التي تسوقها الريح في الجو ، وتحول الشوارع والأزقة إلى أماكن مقفرة لا ترى فيها سالكا ولا تسمع إلا نقيق الضفادع ونباح الكلاب أحيانا . ما أجملك أيها الشتاء وكم أنا مغتبط بك ، أحبك كل شيء فيك ، وأحب تدفق الماء وجريان الجداول من مائك ، أنت ملهم الشعراء والأدباء ، لولاك لما تغنوا بمناظر الطبيعة ولجفّ حبرهم .

الاثنين، ‏9 مارس(‏آذار) ‏2020


تعليقات