لست في الوضعية
المناسبة للكتابة، ولا أراني هاويا لأن أنشأ تعبيرا.. ولكن بعيدا عن هذا التذمر،
هذا المساء وأنا جالس في أحد المساجد العتيقة في أحد أحياء المدينة بعد صلاة العصر راجعا من الجامعة، تضج
في رأسي أفكار لا تنتهي عند حد، ولا يجمعها خيط.. إذ بي بمسن كان يصلي بجنبي يضرب
بيده على فخذي ينبهني.. التفت إليه ثم قال لي مباشرة: ألا يوجد دعاء بعد الصلاة -وطبعا
يعني بالدعاء الذي يكون جماعيا بعد الصلاوات كما هو الحال في بعض المساجد-في هذا
المسجد بعد الصلاة، هل نسي الإمام الدعاء.. أجبته: لا أعرف لأني لا أصلي هنا
كثيرا.. ربما نسي وربما لا يدعون بعد الصلاة.. ربد علي قائلا: حيث كنت موجودا في
ملاجئ كينيا لا يترك العلماء الدعاء بعد الصلوات والقنوت في الفجر.. ثم همس قائلا:
أم أن الوهابية يكثرون هنا؟
لم أجادل في وجود
الوهابية من عدمه.. ولكني تغافلت قائلا: لا أعرف الكثير عن ذلك، ولكن أخبرني هل
كانوا قليلين في بلدتك.. فرك في كلتا يديه سبحته ذات اللون الأسود، وأجاب مفصلا..
بالطبع هم قليلون ومتخفون.. هناك حيث كنت موجودا نحن أهل السنة هم الأكثر -وأظنه
عني بأهل السنة جماعة الصوفية-.. ولنا علماء في المساجد هم الذين يأمون الصلاة
وليس كل من هب ودب.. قال هذه الجملة الأخيرة لأنني قبلها كنت قلت له: يصلي بالناس
هنا أحيانا بعض الشباب ولم يلزم أن يكونوا أئمة على الدوام..
ثم حكى لي عن قصة
طريفة تحكي مناظرة حدثت بين من سماهم الوهابية وبين جماعته أهل السنة، وأن الوهابية لم يحضروا
المناظرة بل أرسلوا غلاما لكي يتسمع الأخبار لهم.. فصاروا مثار السخرية.. وقال
إنهم حيث كنت: خائفون من الدولة والعسكر.. ولا يظهرون أمرهم، لكنهم هنا مسيطرون
على المساجد ويعلنون أمرهم.. ولا يخافون من أحد..
كنت أتظاهر
بالاستغراب.. أرفع حاجبي إلى إعلى ومرة أفتح فمي.. ثم قلت له: أمر غريب، إذن هم
يكثرون هنا.. فأجاب مأكدا: نعم، هم كثيرون ومهيمنون على مساجد كثيرة لأن هناك في
دول الخليج من يدعمهم بالأموال والرواتب وذلك من قديم، ثم فجر المسن قنبلة حين
قال: إن لديهم صلات مع اليهود..تملكني الاستغراب بشدة وقلت: اليهود!!
قال: نعم، لأن
اليهود في كل مكان
وعلى طول حديث
المسن، هناك عدة مرات أردت أن ينتهي الحوار، ولكنه في كل مرة كان يواصل.. وتحرجت
أن أقاطعه.. ثم جرنا الحديث إلى: صراع الحكومة في حركة الشباب.. وظلمهم لبعض الناس
وغسلهم لعقول بعض الشباب وأخذهم لأموال الناس بدعوى أنها هي الزكاة، وأنهم هم حجر
عثرة أمام تقدم الأمة، ثم أردفها بتذمرات عن الحكومة وأن جل همها أن يقال عنها:
أنها حررت بلدة كذا، وشيء عن الضياع الذي يعاني منه الوطن..
بعد أن مضت حوالي
عشرون دقيقة.. أضطررت أن أنهي الحديث.. فاستأذنت منه وأعربت عن سعادتي بهذا اللقاء،
وسألته عن اسمه، فقال اسمي علي.. وأخبرني أخيرا؛ أنه أحيانا يصلي هنا..
حدقت كثيرا أثناء
الحديث في وجه ذاك المسن الشاحب النحيل.. علني أنفذ ألى سر أو أظفر بتفسير لحالته
هذه، وحديثه المبعثر حول السياسة والدين والأحزاب، لشخص لا يعرفه أصلا، ولطالما حاولت
جاهدا أن أفهم لماذا نحن الصوماليون مثل كتاب مفتوح يحتاج إلى فتح فقط حتى يفشي كل أسراره، أو مسجلة
تنتظر التشغيل حتى تنطق وتسيح بمحتواها.. هل هي الضغوط الحياتية وظروف المعيشة،
وخيبات الأمل المتكررة، تجعلنا نفضض حالما نجد أذنا صاغية؟ أم الأمر عادة اجتماعية
ولا تستحق الوقوف عندها.؟!
رغم وجود ثغرات في
كلام المسن، إلا أنني قاومت شهوة الحديث وفي أن أجادله، لأنني خفت أن يطول بي
الأمر، ولكي لا أحرم منه فرصة ابداء النصيحة وإعطاء الإرشادات، وأيضا لعدم تأكدي
من صحة بعض المعلومات وجهلي ببعضها الآخر. ولعمري كم تصادفك من مشاهد في الحياة
اليومية كلها تنبأ عن قضايا اجتماعية تستحق أن تدرس..

تعليقات
إرسال تعليق