لا تبرحوا أماكنكم..

 

نحن في هذه الحياة كالرماة في جبل الرماة، إن دُخل على الاسلام من قِبلنا هدمنا كثيرا من معالمه.. فينبغي أن يستشعر الإنسان معنى هذا الوفاء ولا يكون محركنا سوى تلك الرحمة التي استبقاها النبي في سنته نورا متوهجا لا ينطفئ، فينبغي أن نكون امتدادا لهذا النور وبقية لهذا الميراث النبوي

وجدت هذه الفقرة التي يعود تاريخها إلى العام الماضي في مذكرة جوالي، شدني محتوى الرسالة، وأشعرتني بثقل جبل المسؤولية، بحثت عن مصدر لها ونسيت تماما أنني كتبتها هنا أيام التحاقي بأكاديمية الجيل، حيث كان منسوب الجد عندي مرتفعا، وكان التزامي أفضل، وكنت مكثرا حينها في تقييد المعاني الجميلة سواء بالكتابة أو بالتسجيل.. سُقيا لها من آيام

أعود للحادثة في السيرة فأجد مقالة النبي في ذلك اليوم: " احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل، فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا " وفي حديث للبخاري: " فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" والصورة العامة عند المسلمين في ذلك اليوم كانت بأنهم استعدوا وبذلوا الأسباب المتاحة وكان منهم الاقبال على خوض المعركة على عكس بدر، وكان من جملة التدابير التي عملها النبي أن وضع تلك الجماعة على الجبل وأعطاهم وصاته..

ومع كثرة الأسباب التي يذكرها العلماء حول البلاء الذي أصاب النبي وصحابته في ذلك اليوم، إلا أن نزول الرماة ومخالفتهم لأمر النبي هو السبب المباشر والأكثر حضورا.. وهذا يبين شؤم المخالفة وخطورة تضييع الثغر والاستهتار بالمسؤولية والظن الكاذب بأنها مؤقتة..

وهذا التشبيه بنا بالرماة على الجبل مطابق لنا تماما.. وفي الفترات التي كانت الأمة قوية كان كلً يحرس ثغره ويحرص ألا يُؤتى الاسلام من قبله، ودار مغزل التاريخ وحان دورنا، فهل نفي عهد النبي بأن لا نبرح أماكننا مهما يكن؟ تلك هي البطولة ولا شيء غيرها..

 والذي يجعل التشبيه أدقَ هو قوله بأبي هو وأمي:" فإن رأيتمونا نقتل.. وإن رأيتمونا غنمنا" لأن ترك الثغر يكون من هذين السببين: إما لكثرة النزيف وشدة الآلام، فيقع في اليأس والشك في وعد الله كما قال المنافقون في غزوة الخندق".. ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا" وإما لمغنم وحظ يخشى فواته إن لزم مكانه..

ومن المعاني الجميلة التي توحي بها حادثة جبل الرماة: أن القيام على الثغر لا ينتهي برؤية النصر أو بالأحرى ليس شرطا له وذلك بيّن في قوله صلى الله عليه وسلم: وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا..

وبنظرة خاطفة على الواقع تجد الحياة والعزة في الأمة بسبب الثغور التي مازال اصحابها قائمون بها بعد الله، وكما بقي في ذلك اليوم في الجبل، هناك باقون متجذرون في ثغرهم..

ولعل اوضح مثال في حراسة الثغر والاستماتة عليه، ورفض تسليمه، وبذل المهج والأرواح في سبيله، ، فلطسين العزة.. حتى صارت تلك عقيدة تورث للأجيال..

وبقدر ما شعرت بالمسؤولية والحياة لقلبي ثانية، بقدر ما شعرت بالخزي والعار عن عدم استحضار هذا المعنى دائما.. أتأمل إلى علو وشرف مهمة الثغر، ثم أنظر إلى حالي وبعض حالات الضعف فأجد الفرق الشاسع والسنوات الضوئية.. نسأل الله السلامة.

سنَظَلُّ في جبلِ الرُّماةِ فخلفنا .. صوتُ النَبيِّ يَهُزُّنا لا تبرَحوا..!

 

 

تعليقات