عداء لا ينتهي..

من القضايا التي يلح عليها العلماء والمصلحين في هذا العصر ويقولون دائما بضرورة الاهتمام بها، قضية المعايير، وتصحيحها كونها تمثل المنطلق لدى الإنسان، فعلى أساسها يفكر ويعمل.. ولا شك في أهمية هذا الأمر، لأننا في معظم حياتنا نعمل وفق معايير لسيت لنا، بل استوردناها أو بالأحرى فرضت علينا، وفي كثير من الأحيان نطبقها دون أن نشعر..
وإذا بحث الواحد منا في مجريات حياته اليومية، يجد ذلك جليا، من تقييم الإنسان بمظهره، وعلى أساس هيئته، أو قبيلته، أو بما لدى أحدهم من شهرة ما ولو كانت نسبية في المجتمع، أو وضع شخص فوق منزلته فقط لأنه عيناه زرقاوان وينتمي لدولة أوروبية أو غنية، بل الطامة أن تنطمس المعايير الشرعية والخطوط العريضة للإسلام، كهوان الكافر، وعزة المسلم، وقضية الجسد الواحد، ومركزية الآخرة إلى جانب هامشية الدنيا، ومن نوالي ونعادي.. إلى غير ذلك، وإذا فكرت في الأمر قليلا تجده يطال كل ركن في حياتنا.. والله المستعان
أردت بهذه المقدمة أن ألج إلى موضوع مهم، ينتمي إلى هذا الحقل ويحتاج أن يُصحح ألا وهو : شدة عداء عموم اليهود والنصارى للإسلام والمسلمين، فهذه القضية وإن كانت الشريعة بينته وشواهده مبثوثة في الواقع وفي كثير من حوادث التاريخ، إلا أن هناك من له رأي آخر من بني جلدتنا ويرى عكس القضية باتخاذ اليهود والنصارى أصدقاء وحلفاء ويأخذونهم بالأحضان..
إن رجعنا إلى الوحي نطلب البيان لهذه القضية؛ نجد قول الله: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى.. وقوله عز وجل: لتجدن أشد الناس عداوة.. وقوله: تعالى ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا.. وقول الحق سبحانه: ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. وآيات أخرى فيها بيان أحوالهم السيئة، وصفاتهم الخبيثة، والتي يقتضي العقل السليم ببغض من اتصف بها من التجرؤ على الذات الإلهية وسوء الخُلق والإفساد في الأرض وغيرها..
وإن احتكمنا إلى منطق التاريخ، فنجد مظاهر بغضهم الشديدة وعداوتهم الدائمة لأمة الإسلام، فقد أعلنها حيي بن أخطب مدوية فور قدوم النبي إلى المدينة حاكيا عما في نفسه من الحقد الدفين، قيل له ما في نفسك منه، قال: "عداوته ما بقيت" إضافة إلى ما قاموا به من نقض العهود وتأليب الأحزاب، ومحاولة اغتيال النبي وتسميمه، مرورا بالدسائس والعمل تحت الغطاء لتقويض الإسلام، وكذلك ما فعله النصارى من الفظائع في الحروب الصليبية، من شنهم الهجمات تلو الهجمات.. ويكفي دليلا على حقدهم للمسلين ما فعلوا بمسلمي الأندلس، وما اقترفته أيدي محاكم التفتيش الموتورة بالمسلمين وديارهم، ولا شك أن مظاهر العداء للإسلام والكيد له كانت تختلف من عصر إلى عصر..
وليت شعري كيف يُنسى الأمس القريب، ألم تكن جيوش الاستعمار جاثمة في بلاد المسلمين تسلب خيراتها وتبيد أهلها بلا رقيب ولا حسيب؟ وأي بلد مسلم ذاك الذي لم يكتو بنار الإحتلال؟ الذي ما زلنا نعاني من تبعاته إلى يوم الناس هذا..
بل دعك من الأمس وقلّب نظرك في حاضر يومك، تجد عداوتهم لم تخفّ، وتداعيهم على الإسلام مستمرا، انظر إلى الإسلام في كل العالم أليس محاربا ويوصم أهله بالتخلف والبربرية؟ أليس صوت الحق مبحوحا مكتوما؟ أليست الفضيلة وقيم الإسلام السامية توأد وتطمس؟ أليس معظم بلادنا تحكم بأنظمة غربية لا تمت إلى الإسلام بصلة؟ ألم تجزأ بلاد المسلمين ونصبوا لنا صنم الوطنية؟ وأصبح أخي المسلم ينهش لحمه بجانبي فلا أستطيع أن أذبَّ عنه لأنه فلسطيني مثلا وأنا مصري أو أردني! أو أنتمي لبلد آخر، ولا أملك إلا أن أقول له: أعانك الله في بلواك..
فالقضية بينة كالشمس في رابعة النهار، وبينة بيانا أكثر لأن الله بينها، وقضى باستحالة رضاهم عنا وصفاء الود بيننا إلا إن تخلينا عن ديننا إذ لا يجتمع في قلب إيمان وكفر. فهل نكذّب كلام ربنا، وهل نتنكر لعقولنا ونتخذ أعداء الله أولياء؟! بئس الفعل ذاك وبُعدًا لمقترفه..
فقضية الولاء والبراء من أكثر ما ينبغي أن يعزز، والله نهى ألا يتخذ المؤمنون آبائهم وإخوانهم أولياء من دون المؤمنين إذا كان كفارا، فكيف بمن نصب لك العداء، وعزم على القضاء عليك..

تعليقات