صرخة مشجع..!!


 

في منتصف ليلة البارحة استيقظت إثر وقْع صرخة مُدوِّية عمَت أرجاء الحي لأحد الشباب، تبعتها صيحات أخرى لشبان آخرين، هرعت إلى النافذة كي أتبيّن حقيقة الأمر، وأنا شبه متيقِّن أنّ فاجعة ما حلّت بموت أحدهم أو بسرقة أحد البيوت، ظَلِلْت لِلَحظات أشاهد من النافذة بصمت، أحاول فهم حقيقة الأمر.. وكم أسِفْتُ حين عرفت حقيقة الأمر: هذه الصرخات كانت احتفالا بفوز أحد فرق كرة القدم على نظيره.. أسدلت الستار على النافذة، مُستغربا من الأمر ومشفقا على أولئك الشباب.. وكلمة الشباب هنا لا أعني بها أولادًا مراهقين أو فتية أغرارًا - كما يفهم منها في هذا العصر بل رجالا راشدين بعضهم متزوجين ولهم أولاد..

إذا لم يكن يمنع تلك الصيحات والقهقهات والعربدة في الشوارع دين أو خلق، فعلى الأقل حياء من الجيران ومراعاتاً لمروءة الإنسان بأن يُرى يصيح في مثل هذه الساعة من الليل على مجرد لعبة لفريق أجنبي بعيد كل البعد عن موطنه لا يبلغه نفعه ولا يحصل على مال لقاء تشجيعه له، ولا شك أن تلك الأصوات العالية أيقظت آخرين غيري ربما صِغارا رُضَّعا أو مرضى أو كبار سن.. والله المستعان

ولعل القائمة تطول إذا عددنا مساوئ كرة القدم من فرضها ولاء أعلى من الولاء في الدين، وتفريقها بين الأصحاب، وهدرها للأوقات وتضييعها للصلوات، وخلقها لاهتمامات لا معنى لدى الإنسان كصفقات اللاعبين وتحليل لعبهم ومتابعة تفاصيل حياتهم.. إلخ حتى تصبح المسيطرة عليه في تفكيره وحديثه بل وكل حياته حتى أنه ليجد لخسارة فريقه حُرقة وألماً كمن فجع بولده أو نعي إليه حبيب ويكاد يطير فرحا إن فاز فريقه.. ولكن لو فرضنا جدلا أن الأمر لا يعدو كونه تسلية ولا حاجة لكل هذا التحامل.. فلا أقل من تشجيع سطحي لا يقدح في دين الشخص ولا في مروءته.. وهل ترانا نحده مثل هذا؟ لا أظن.!

ويا للمفارقة بين ما تعايشه الأمة من آلام وما يفتك بها من جراحات وما يقتضيه واجب الوقت من العمل والبذل والإصلاح وبين واقع كثير من شبابنا.. مع أن المسؤولية ينبغي أن تعظًم كلما تأزَّمت الأوضاع، بل الحقيقة أن التغيير الحقَّ في سلوك الشخص يقع في مثل هذه الأوقات.. فينسحب الشخص من مربعات اللهو واللعب واللامبالاة إلى الجد والعمل وتحمل المسؤولية..

تعليقات

إرسال تعليق