كان يدور في رأسي منذ مدة قريبة مع اشتداد الإبادة الحاصلة في غزة، والمجازر اليومية التي تذهب بأرواح العشرات من الأبرياء الأطفال والنساء.. أن أكتب شيئا عن المأساة الحاصلة.. حتى لا أنسى وأسجل شيأ من الألم المبرح الذي أراه يوميا في مواقع التواصل من مشاهد الأشلاء والأطراف المبتورة والأجساد المحروقة إلى جانب الصمود المنقطع النظير من المؤمنين المكلومين من أهل غزة..
تلكم الأحداث التي تمر عليّ، إلى جانب النفسيات والمشاعر من المشاهدين المغلوب على أمرهم من المسلمين وغيرهم في أقطار العالم وكذلك الصامدين في داخل غزة العزة.. كلما تتردد فكرة الكتابة حتى لا أنساها، وتضيع في زوبعة الأحداث المتسارعة في هذا العصر.. وهذه فكرة ما فتأت تراودني منذ بدأت الحرب.. فقد كنت في بداية الحرب فكرت في التسجيل اليومي للأحداث وجمع المقاطع والصور الإحصائيات وصياغتها حتى تكون مرجعا.. ولكن من أين لي بتلك العزيمة فما زلت أسوف حتى فات الوقت، ووجدت من قريب كتابا خرج من مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بعنوان "يوميات معركة طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيلي على عزة" وهي تجسيد للفكرة التي كانت في ذهني فماتت تلك الفكرة في مهدها.. ولا شك أن هذه الكتابة أضبط وأتقن مما كنت سأفعله..
ما يستوقف الإنسان في هذه الحرب كثير، وربما لو بسط الكلام لامتلئت عشرات المجلدات، والمنعطفات التي تأخذها الحرب يوما إثر يوما تغير كثيرا من نظرة الإنسان، بل بات القول بأن معركة طوفان الأقصى حدث غير العالم أمرا مسلّما، فتأثيره تخطى القارات ووصل إلى مختلف أمم الأرض، وأصبحت غزة قطب الرحى، والبقعة المضيئة التي تأوي إليها أفئدة العالم بأسره تضامنا ومتابعة لأخبارها..
قبل يومين في المحرقة التي حصلت في أحد المخيمات في رفح، انتشرت الأخبار واستنكر العالم هذه الإبادة، فالمشاهد لم تكن مما يستحمله العقل، جسد بلا رأس وأطراف، وآخر تمكنت منه ألسنة اللهب فصار متفحما، ومشاهد أخرى مأساوية.. هذه الحادثة ومثيلاتها دائما ما توقظ القلوب الغافلة وتثير المشاعر إلى أبعد الحدود، ولكن ما أسرع ما تنطفئ إذا عاد الإنسان إلى حياته..
وليت شعري بم يشعر أولئك المحاصرين في تلك المساحة الضيقة من الأرض وقد فقدوا أحبتهم وأمنهم وغذائهم وممتلكاتهم ولا يعرفون متى يأتي الدور عليهم وفي العالم ملياري مسلم هم أخوة لهم في الإيمان لا يحركون ساكنا، بل كيف يشعرون إذا كان بعض هؤلاء يشاركون في حصارهم، ويلقون اللوم عليهم.. لا شك أنه شعور بالأسف والخذلان
سألني أحد الطلاب مرة، يا أستاذ أليست باكستان تملك سلاح نوويا، لماذا لا تساعد فلسطين إذن؟ ويضيف بما معناه: خير لنا أن نموت كلنا بدل هذا..
لم أستطرد معه وقلت: مغلوب على أمرنا، والله المستعان
اذكر قبل سنوات كنت عبرت لأحدهم بشعور قريب من هذا، ولكنها كانت أحلام فتى صغير كانت تغذيه مشاهد الآلام المتكررة على عقله الصغير من جميع أصقاع العالم..
والآن لم يتبدل الشعور وإن كانت صيغته قد اختلفت، فقد أدركت أننا في أدنى درجات الضعف والذلة، ولن تسعفنا معجزة تخرجنا بين ليلة وضحاها عن حالتنا المأساوية هذه، ولن يجدينا كثرة البكاء وضرب الخدود، إنما عمل وإصلاح ومشروع لا تُستعجل ثماره.. وأمور أخرى يقدرها أصحاب الشأن
وحين أدركت هذا الأمر؛ الذي هو ضرورة العمل الجماعي والمشاريع الإصلاحية التي تعمل على مستوى الأمة والأفراد، خف شيء من وطأة الألم، وصرت كلما اشتد الجراح، أصبر نفسي بهذا، ومن الخير الذي تلمسته في هذه الأحداث أن صار الواحد منا يخجل من نفسه إذا حدثته بذنب، وزادت الرقابة على النفس أكثر
سألت التاريخ علني أجد يطفئ حر قلبي هل مر علينا مثل هذا في تاريخنا الطويل؟ فأجاب: بلا وبكثرة قديما وحديثا، بل وتكاد بعض الأحداث متطابقة، فإن استغربت عن التناحر والتشرذم بين المسلمين فانظر إلى ملوك الطوائف، وإن أصابتك الدهشة عن غياب النصير في ظل تسلط الأعداء على بلد مسلم، فتذكر سقوط مدن الأندلس تباعا، وإن استبشعت اتخاذ الأعداء أولياء من دون المؤمنين وتسليم مقدسات الأمة، فطالع حقبة أمراء الشام في القرن الخامس الهجري.. وهكذا في كل حدث تقريبا تجد له نظيرا من قريب أو بعيد ولكنكم قوم لا تفقهون..
واستنطقت كتاب الله وسنة النبي الكريم فلا بد منها سأجد الرِيَّ.. كيف تكون هذه حالنا ونحن خير أمة أخرجت للناس؟ فكانت الآيات والأحاديث مجيبة ببيان واضح: "أولما أصابتكم مصيبة ... قل هو من عند أنفسكم، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. أصابكم الوهن؛ حب الدنيا وكراهية الموت، ولكنكم غثاء كغثاء السيل" إلى غيرها من الآيات والأحاديث
والحقيقة أن الكلام يطول والتساؤلات لا تنفك تنثال الرأس كالطحين، ودواعي اليأس تكثر، ولكن لنا أمل في ربنا، وموقنون بحكمته وعدله سبحانه وبحمده، فلم يضعهم في تلك المحنة إلا بمعلمه أنهم أصبر الناس عليها فهو الحكيم الخبير.. فهو يبتلي بالمَنح كما يبتلي بالمَنع، ونسأله سبحانه بمنه وكرمه أن ينصر إخواننا ويشد من أزرهم وأن يعيننا على نصرتهم.. وأن يغفر لنا تقصيرنا في حقهم.. آمين

تعليقات
إرسال تعليق