طرف من سيرة الإمام أحمد جري..


بسم الله العلي القدير..

قرأت من قريب كتاب فتوح الحبشة الذي يؤرخ لفترة مهمة في منطقة القرن الإفريقي والصراع الدائر بين المسلمين ونصارى الحبشة الممتد لقرون والذي كان له أبعاد على مر العصور مختلفة ومر بحالات مد وجزر.. والفترة التي يركز فيها الكاتب "عرب فقيه" المعاصر لتلك الأحداث والذي يروى عن كثير ممن شاركوا في الأحداث وهي فترة جهاد الإمام أحمد بن إبراهيم المعروف عندنا بـ أحمد جري..

يستهل الكاتب كتابه بمقدمة قيمة عن خيرية هذه الأمة ويتطرق إلى جوهر هذه الخيرية ومنبعها الذي هو ثباتهم على الحق وجهادهم للكفار.. وأن في هذه الأمة مجددين يجددون لها دينها إما بالسيف والسنان، وإما بنشر العلم، وإما بحسن السياسة..

المنطقة التي يدور عليها الصراع هي ما كان يسمى بدول الطراز الإسلامي أو الإمارات الإسلامية أو كما يسميها الكاتب: "بر سعدالدين" وحاليا الشمال الجنوبي- إقليم غرب الصومال "أوغادينيا" في هذه الفترة التي عاش فيها الإمام أحمد كانت الإمارات قد ضعفت جدا، وتوسع فيها النفوذ الحبشي حتى وصل الأمر أن تدفع الجزية والضرائب لملك الحبشة.. وكان مما شاع في تلك الفترة أن يدخل العلوج الحبشة بلدة مسلمة فينهبوا خيراتها ويسوقوا حرائر المسلمين أسيرات.. والله المستعان.

لم تستدع هذه الحالة المزرية التي وصلت إليها تلك الإمارات وحالة الاستضعاف التي طالت فئاما من المسلمين أن ينهضوا للجهاد ويردّوا كيد المعتدين، ويستردوا كرامتهم، بل كان بأسهم بينهم، وأسنتهم مشرعة في صدور إخوانهم، وصار كل من أحس من نفسه قوة خطط للسيطرة على سدة الحكم وإزاحة غيره عنه.. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

كان الإمام أحمد في أول أمره جنديا يقاتل تحت لواء أحد الأمراء المتغلبين على إمارة عدل الذي هو: "الجراد أبوان" الذي كان صالحا وتمتعت البلاد في عهده بشيء من السكون ورد المظالم، لم يطل بهذا الأمير الأمر حتى سطا عليه أحد السلاطين ففرق عليه شمله ثم ظفر به وقتله..

كان الإمام أحمد أحد الجنود القلة الذين أفلتوا من يد ذاك السلطان الظالم، انسحب هو ومئة جندي تقريبا، فبدأ السلطان يتتبعهم ويستشفُّ أخبارهم.. لم تكن القيادة الجندية التي تسلمها الإمام أحمد أمرا سعى إليه بل فرضت عليه مع صغر سنه لملائمته لذلك الظرف بما تمتع به من العقل والرأي..

لم تكن الإمام أحمد تستهويه هذه الصراعات التي بين الأمراء والسلاطين المسلمين، لأنه لم يكن يسعى للسلطة ولا للملك.. إن الذي كان يحمله يمكننا القول أنه كون مشروعا إسلاميا لتحرير البلاد من رجس الكفرة ودنس النصارى.. فبدأ وهو ما زال مطاردا من قبل السلطان بالإغارة على فيالق الحبشة التي تجوب البلاد المسلمة لجمع الضرائب..

مرت مرحلة مد وجزر بين السلطان أبو بكر بن محمد والإمام أحمد حتى أقيم الصلح بينهما وقسمت البلاد لهما بالسوية.. ولكن سرعان ما نكث السلطان بوعده ونقض الصلح.. فاضطر الإمام لقتله وأقام مكانه أحد أقاربه واتخذ مدينة "هرر" عاصمته.. كان الإمام حاملا لواء الجهاد في المنطقة، واتخذ نشر الإسلام وجمع الكلمة وتحرير البلاد هدفا..

كانت سياسة الإمام في الجهاد أن يغير على البلاد القريبة منه التي يحتلها الحبشة.. وكان يتتبع الجنود الأحباش داخل البلاد ويسقيهم كأس الحتوف، لم يكن نشاطه يقتصر على تسيير الجيوش وضرب الأعداء، بل مد بساط الصلح بين القبائل المتناحرة وأدب المعتدين منهم، وحوّل سيوفهم إلى وجه الأعداء بعد أن كان مستلة في وجه إخوانهم وتقطر منها دماءهم.. فتم له ذلك

بدأ الإمام مسيرة التحرير بعد أن استقرت له أوضاع البلاد، ووحد بين القبائل.. فتارة يخرج بنفسه في إلى ميادين القتال وتارة يرسل أمراء حربه أمثال الوزير عدلي ومنصور وحسين الجاتري.. وكان لا يلقى جيشا إلا هزمه ولا أغار على بلد إلا فتحه..

كان من شدة توقد همة الإمام وعزمه الشديد على الجهاد في سبيل الله أنه لم يكن يرضى بالغنائم والأموال التي يحصلها في معاركه وفي هذا حادثة عجيبة، وهي أنه في أحد الحملات رأى أكثر عسكر الإمام أن يعودوا إلى بلادهم بعد الغنائم الكثيرة التي حصلوها بخلاف رأي الإمام الذي كان يرى أن يتوغل أكثر في بلاد الكفار ويواصل القتال.. فيقول الراوي: أن الإمام يكى بكاء شديدا حتى احمرت عيناه من شدة البكاء على رجوعهم وقلة موافقتهم.. فلله دره

كان من ضمن أهداف الجهاد لدى الإمام نشر الإسلام والدعوة إلى الله وكان فتحه للقلوب أكثر من فتحه للقلاع والمدن.. وتجد شاهد ذلك ما يذكره الكاتب من كثرة الذي أسلموا وحسن إسلامهم واستعملهم الإمام، بل وقلّد بعضهم مناصب قيادية..

من الصفات البارزة في الإمام أحمد أنه صاحب حرب ومكيدة.. يعرف كيف تخاض الحروب وتسيّر الجيوش، وكان قائدا حكيما عرف تركيبة بلاده وانقساماتها القبلية فأحسن سياستها وأجاد إدارتها فأعطاها الغنائم الكثيرة وفرّق بينها في السكن. وكان أيضا متواضعا زاهدا في الدنيا رضي منها بالقليل الذي يكفيه، فما اتساع البلاد التي ملكها كان فقيرا بل أنفق مصاغ(حلي) نسائه وأثاث بيته ليستعين به الجند في حربهم، وكان عالما بالدين والشرع يخرج إلى القتال وقد توشحت راياته بآي القرآن، ويقرب العلماء ويجعلهم بطانته ومستشاريه.. إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي قلما تجتمع في رجل في هذه الأيام

وختاما فإن هذا طرف يسير جدا من سيرة هذا الإمام العظيم المجدد كما يسميه المؤلف، وصفحة من ذهب في السعي والبذل في سبيل الله.. وتاريخ مشرف سطر أمجاده رجال أفذاذ، يجب أن تروى حكاياتهم للأبناء وتبقى ملاحمهم وتضحياتهم حاضرة في وعي شعبنا.. ويجب أن يتناوله الشباب والمثقفون وصناع الأجيال بالعناية والدراسة واستخلاص العبر.. فمن أكثر ما تحتاجه الأجيال في هذه العصر النماذج والقدوات الخيرة بدل القدوات التافهة التي تملأ عليهم ليلهم ونهارهم


تعليقات