لم أزل مذ وضعت قدمي في القراءة، وبدأت أتمرن بالكتابة؛ أمد نظري إلى المستقبل أستشرف شبح الكاتب التي آمل أن أكونه، وكنت لفرض شغفي في أن أصير كاتبا؛ أخوض غمار الكتب ذوات المجلدات الكثيرة من كتب التراث الإسلامي في الأدب والتاريخ العالية المستوى، فتارة أجدني في أحد مجلدات نفح الطيب وأخرى البيان المغرب، ومرة أجنح إلى الدواوين الشعرية في مختلف العصور، وأذهب في ذلك كل مذهب، علني أجد رِيّا لظمئي وإرضاء لرغبتي هذه.. ولا أزعم أنني فهمت تلك الكتب أو أنني أكملتها، بل جلها أو قل كلها تركتها لأنها استعصت عليّ وحالت بيني وبينها فرق المستوى ورصانة الحتوى الذي فيها مع بدائية مستواي.. ولكنها طبعت في سويداء قلبي حب الأدب وتركت في نفسي شيأ منه
لم يختف في نفسي هذا الأمل، ولا أحصي عدد المرات التي صورت في خيالي أنني أدركت هذا الحلم، وأصبحت مهارة الكتابة في متناول يدي، وأنني ملكت ناصية الكتابة أتصرف في الكلمات كيفما أردت وأذهب بها حيثما شئت، وللأسف لم تصل همتي العملية وجهدي قدر ذلك الحلم ولا نصيفه..
لم يكتمل لدي ركنا هذه المهارة اللذين هما (كثرة المطالعة للأدب، والتدرب على الكتابة) لقصور همتي ورضاي من الغاية أدناها ومن الجائزة أقلها، وأيضا يمكننا إضافة سبب آخر وهو غياب البوصلة في القضية، فقد كنت أبحث في كل مكان وأخوض في كل مجال؛ أفتش عما يغذي ذائقتي الأدبية ويصقل قلمي ويملكني ناصية البيان، فلم تكن لدي خطة منهجية أسير عليها ولا موّجه يدلني على مواطن النقص ومكامن العيب، بل كنت أسير على غير هدى وأخبط خبط عشواء..
لا شك أن أسلوب العشوائية هذا مضرَ في كل نواحي الحياة، فقد تحسب أنك على شيء، وأنك حصلت شيئا، وأنت لم تزل في القاع، ولا تزال أقدامك طرية لم تعان السير الطويل.. ولكن من باب ذكر الحقيقة، أستطيع القول أنني أدركت بعض النتف وأشتاتا من الأدب لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكنها قد تعجب من ساء طبعه وتكدر ذوقه وخدع بالقشرة عن حقيقة اللّب فظن الورم شحما..
تعليقات
إرسال تعليق