موضوع الكتاب:
الكتاب حول قضية مهمة جدا تحكي عن الخسارة الكبيرة التي لحقت بالعالم والبشرية خلقيا ودينيا بسبب انحطاط المسلمين وإهمالهم لدورهم في قيادة العالم نحو الخير والفضيلة والصلاح الدنيوي والأخروي.. وأنهم بتركهم قيادة العالم؛ سلموها لمن لا يملك أدنى صلاح وخير يقدمه لنفسه فضلا عن العالم.. ويجر البشرية إلى حافة الهلاك.. والكاتب رحمه الله يعقد في ذلك مقارنة بين الجاهلية المعتمة التي كان يرزح فيها العالم قبل بعثة النبي (ص) والتي بات العالم اليوم يرجع إلي كثير من مظاهرها وبين إشراقة الإسلام وكونه النجاة والحل الوحيد لأزمات العالم.. ويستفيض في ذكر عوار الحضارة الغربية والأوروبية وفقرها قيميا ودينيا، ونظرتها القاصرة التي لا تتجاوز حدود الماديات المحسوسة
كان من أهم القضايا التي تناولها الكتاب:
• أن الإسلام ورسالته عالمية .. لا تقتصر لا إقليم أو شعب معين.. وهذا يستدعي من المسلم أن يؤمن أنه يحمل نجاة العالم بيديه، فلا تكبله الأهواء ولا توثقه الوطنية بل يحمل هم الخلق وهدايتهم حين يرى تخبطهم واسرافهم على أنفسهم
• تناول الكتاب تاريخ أوروبا وماديتها التي لم تفارقها في جميع حقب تاريخها.. وسلط الضوء على الأسباب التي أوصلت أوروبا والغرب إلى حالته البائسة هذه، من عداء شديد للدين إزاء الحفاوة البالغة بالعلم التجريبي ومخرجاته، وعبادة للذة وإشباعها بأي ثمن
ولعل أهم قضية كان يرمي إليها المؤلف هي الخطوات التي بها يستعيد المسلمون مقود العالم، والإصلاحات التي ينبغي أن يقوم بها المسلمون في أنفسهم، وصوابية الأخذ بزمام المبادرة فلا خير يرجى ممن اتخذ إلهه هواه
لا شك أن الكتاب مليئا بالفوائد وأضاف الكثير إلى رصيدي المعرفي فقد كان كما يقال وجبة دسمة فمن ذلك مثلا:
• أنني أدركت أهمية أن تعي سخافة ودناءة ما لدى الغير حتى تدرك شرف ما تملك
• ترابط أحداث التاريخ وأن المآل الذي نعيشه اليوم له سابق مأثر به، لم يكن ربما كثير ممن عاشه يدركه أو ظن أنها ستؤدي إلى هذا المآل
• ما حصل للمسلمين والانحطاط الذي وصلوا إليه لم يكن وليد سبب أو سببين خيوط من الأسباب المشابكة، ولم يكن أمرا بدأ من قريب بل له جذور عميقة في التاريخ.. وبتراكم كل ذلك نتج عنه واقعنا
• موجز مركز لتاريخ أوروبا.. ترسخت لدي كثير من المفاهيم التي حصلتها في مادة تاريخ الفكر الغربي
• أهمية العالم الإسلامي وخصوصا العربي كمركز مناسب يملك المقومات والمؤهلات حتى يقود العالم..ويتصدى لمادية الغرب، وأنه يصلح أن يكون البديل.. بل يجب أن يكون البديل
• ظلام الجاهلية التي كان العالم غارقا بها قبل بعثة النبي (ص) من عقول بليدة ووثنية وأوضاع حياتية بائسة وانحطاط خلقي، وانعدام الصلاح
• هذه الأمة ولودة.. وقابلة تأثر في كل حين وهي على علاتها مفتاح الحل؛ لأنها تملك مقومات ذلك بكتاب محفوظ وهدي متبوع
• أهمية الجهاد والاجتهاد كشرطين أساسين للزعامة الإسلامية كما ذكر الكاتب.. الجهاد الذي هو بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب؛ والمطلوب الأكبر للمسلم طاعة الله ورضوانه والخضوع لأمره والإسلام لأوامره" فلهذه الغاية يجاهد المسلم وينحي كلما يعارض هذه العقيدة من أغراض وأهواء وعقائد أخرى، ويجاهد لتنفيذ أوامر الله في العالم حوله، فريضة من الله وشفقة على خلقه، ثم يقوم كلما يقتضيه هذا الجهاد من العلم والعمل وإعداد القوة، وذلك أمر مطالب به المؤمنون جميعا، ثم الاجتهاد أكثر ما يراد منه من يرأس الأمة ويقودها
حقيقة انتابتني مشاعر كثير بعد قراءتي لهذا الكتاب: فمن ذلك
• شعور الأسف لدهور أضعناها وكنا فيها غارقين في سبات عميق، كنا نزداد فيها ضعفا ويزداد أعدائنا فيها قوة
• من المعاني التي تلمستها هي جدوى الإصلاح.. وعدم الركون إلى الواقع المفروض علينا.. ومحاربة الفساد بالعلم والبصيرة والدعوة إلى الله
• العلم على نشر الوعي بين الناس.. وذلك بأن نعي واقعنا ومشكلاته وأن نفهم ديننا ونعرف سبيل المجرمين فلا ننخدع بالمظاهر
• أن نصل إلى وضع نستغني فيه عن غيرنا ويكون اعتمادنا فيه على أنفسنا
• ومما خالج صدري أن نعمل على نشر الوحدة الإسلامية ونخرج من نير الوطنية، ويكون لسان حالنا كما قال الشاعر:
إن يَختَلِف ماءُ الوِصالِ فَماؤُنا عَذبٌ تَحَدَّرَ مِن غَمامٍ واحِدِ
أَو يَفتَرِق نَسَبٌ يُؤَلِّفُ بَينَنا دين أَقَمناهُ مُقامَ الوالِدِ
• وأخير ا أن نحاول استنساخ تجربة النبي الإصلاحية وتجربة صحابته وتجربة هديهم في ذلك، فهم الذين مثّلوا دور المدنية الصالحة كما ذكر الشيخ.. وكان من أهم خصائصهم التي بها سادوا أنهم ما تولوا القيادة إلا بعد تربية خلقية وتزكية نفسية، وأنهم كانوا متجردين خلصاء عملوا لله وضحوا من أجله فرضي الله عنهم
هناك خلاصات مهمة أراد الكاتب إيصالها ومن أهمها في نظري:
• أن حياة الناس لا تستقيم بدون رسالة أو دين صحيح يصلهم بخالقهم عز وجل.. وتكون كرامتهم وصلاح حالهم بقدر تمسكهم بتعاليم ربهم، فما الجاهلية الساخطة في الزمن الذي بعث فيه النبي إلا جراء ضرب الدين عرض الحائط.. فنبت فيهم كل فساد وساد فيهم كل خلق سيء، وما مادية أوروبا والغرب وتخلفها في ميدان القيم إلا ثمرة جنتها لتركها الدين بل ومحاربته، وما انحط المسلمون وتخلفوا عن دورهم في قيادة العالم، وما تجرأ عليهم أعدائهم واستهتروا بأعراضهم إلا أنه خفّ تعلقهم بدينهم ولم ينزلوه من أنفسهم منزلة الروح في الجسد
• إن الانحطاط الذي حصل للمسلمين كان في جل أسبابه داخليا.. أي من قبل المسلمين أنفسهم؛ فحين أهملوا ميدان العلم وركنوا إلى الدنيا والحياة الفارهة، وكثرت فيه النزاعات السياسية، ودخلت في حياته بدع وضلالات نقاء التوحيد وصفاءه وحين تركوا الجهاد.. وأصبح هناك فقر في القيادة الحكيمة؛ حل بالمسلمين ما حل
• أنه كما كان الخروج من مأزق الجاهلية بمواجتها والتصدي لها والتضحية في سبيل ذلك.. فكذلك الامر اليوم لا حل سوى أن يحمل المسلمون مشعل النور إلى العالم، ويوطنوا أنفسهم على مواجهة ومدافعة الباطل مع إحقاق الحق.. ويستعدوا لذلك ويعدوا له عدته.. وهم يملكونها ولا شك!
• الكف عن تقليد أعدائنا فلا خير سيأتينا من وراء ذلك سوى الرجعية والسفول في أوحال المادية والنظرة الدنيوية.. فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام وما عندنا خير مما عندهم فهم حياة بائسة بكل ما تعنيه الكلمة ولن نعدم دليلا لذلك، ونحن عندنا المعين الذي لا ينضب؛ كتاب الله وسنة رسوله يكفياننا في صلاح ديننا ودنيانا.. إلى جانب تراث ضخم وتاريخ مجيد ونفوس قابلة.. وكل ذلك يمدنا بأسباب الحياة.. ويغنينا أن نتطفل على موائد غيرنا
إنطباع عام:
وبالنسبة للانطباع العام عن الكتاب، فالكتاب أضيف عندي إلى قائمة الكتب المركزية التي يعاد قراءتها كل فترة وتُخَصَّ بالتأمل.. لن أتردد في ذكره إن سألت عن أكثير كتاب أثر فيَّ، فالكتاب مع كونه مليئا بالمعلومات النفيسة من الجلدة إلى الجلدة إلا أنه يمكنك تقسيمه إلى محاور يمكنك مراجعتها كمصدر موثوق يعطيك معلومات ووثائق تاريخية مركزة في عبارات رشيقة معنونة بعناوين جميلة تسهل تذكر المعلومات، فإذا أردت أن تقرأ عن الجاهلية التي كان العالم يعيشها قبل بعثة النبي (ص) فاقرأ الباب الأول وفصليه، وإذا أدركت حجم المنة التي اتمن بها على العالم ببعثته صلى الله عليه في ذلك الزمن وشيأ من منهجه الإصلاحي وكيف أحدث الاتّزان في الكتلة البشرية التي بعث فيها فتلمس الإجابة في الباب الثاني: "من الجاهلية إلى الإسلام" وفصوله الأربعة في ألطف إشارة وأوجز عبارة وإن استغربت مادية أوروبا وضمور المعاني الدينية فيها وانحطاطها الخلقي فعليك بالرابع: "العصر الوروبي" ترى عجبا.. وإن أصبحت الصورة قاتمة في وجهك وبدأ اليأس يتسلل إلى داخل؛ فقلب صفحات الباب الأخير: "قيادة الإسلام للعالم" يتبدد يأسك وتشتد عزيمتك..
وهكذا في الكتاب تجد عناوين ومحاور يمكنك مراجعتها حين يلزمك الأمر.. فرحم الله الشيخ رحمة واسعة وأجزل له المثوبة ونفعنا الله بعلمه.. آمين
تعليقات
إرسال تعليق