منذ ساعات وصلت من جنازة أحد كبار السن الذي توفي صباح اليوم في محيط حينا، لم تكن هناك صلة من قريب أو من بعيد بالمرحوم، بل حتى صلاتي في المسجد الذي أقيمت فيه صلاة الجنازة كان صدفة، ذهبت مع الجنازة إثر دعوة من أحد المعارف، ولكي أقضي المسلم على أخيه المسلم، وحتى أبلل جفاف قلبي، وألطف مشاعري الخشنة.. وفي الحقيقة كنت على طول الطريق أحاول جاهدا ألا أخرج عن سياق اللحظة أعنى لحظة الموت هذه إلى أفكار أخرى دنيوية لا تسعفني في ترقيق قلبي واستدرار الدموع من محجري..
وصلت إلى مكان الدفن مع موكب طويل من السيارات وحشد ليس بالقليل من البشر، تذكرت قراءة دعاء القبور عند أول أرض الدفن.."السلام عليكم دار قوم مؤمنين.. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"
تحدرت الكلمات الأخيرة من الدعاء على لساني محدثة في نفسي ما يشبه الصعقة الكهربائية.."وإن شاء الله بكم لاحقون" على بداهة هذه الحقيقة إلا أنها كثيرا ما ننساها في دوامة الحياة المعاصرة وعجلتها التي لا تكف عن الدوران..
منذ يومين تقريبا كنت اقرأ في مقال في كتاب رقائق القرآن للشيخ إبراهيم السكران –فك الله أسره- يسلط فيه الضوء على المفارقة العجيبة بين حتمية الموت وقربه وبين الغفلة الشديدة عنه وبعده عن حساباتنا، مع أنه تكرر كثيرا في القرآن الكريم بأنه لا يأتي إلا بغتة، وتكرر وقوعه في الحياة، فما أكثر الذين نعرفهم سواء من القرابة القريبة أو الأصحاب أو المعارف، وكم مرت أمامنا جثامين تحمل إلى مثواها الأخير..
كل هذا كان يستدعي منا أن نعد للرحيل، وأن ترقّ قلوبنا وتفزع إلى الاستكثار من الطاعات، بل إعادة ترتيب الملفات وتصحيح الأخطاء..
في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض غربي المدينة المليئة بالقبور، التي منها ما صار رميما، ومنها ما لم تجف تربته بعد، لا تستطيع أن تميز أحدا عن أحد، قد استوى فيها الغني والفقير والكريم والوضيع والرئيس والمرؤوس والظالم والمظلوم وجميع أطياف الناس..
ثم إنك إن غبت مدة وعدت سترى أن أرض الدفن قد امتلئت وتم الانتقال إلى مساحة أخرى..
وصلت إلى أذني كلمة من أحد المشاركين في الدفن بأنه يوميا يُحمل إلى هذه المقبرة ثلاثة أو خمسة.. متى يا ترى يكون الدور؟ نسأل الله حسن الخاتمة..
ولحكمة بليغة بليغة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروا القبور ، "فإنها تزهد في الدنيا ، وتذكر الآخرة"
بيانا منه عليه الصلاة والسلام بحاجة المسلم الماسّة إلى ذلك، وكان ذلك في زمن لم يكن في محيط الصحابة شيء كثير من مُتَع الدنيا وملهياتها، فما بالك في عصرنا هذا الذي أخذت الأرض زخرفها وازّينت، وصارت غاية مطلوب كثير من الناس..
والحياة المعاصرة وعجلتها لا تعين الإنسان على الوقوف وأخذ العظة من الأحداث والوقائع التي تحدث حواليه، فلذلك ينبغي على الإنسان مصاحبة الجنائز والمشي إلى القبور كلما سمحت له الفرصة حتى يحفظ قلبه القسوة..
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم آمين
٢٤ مايو ٢٠٢٤

تعليقات
إرسال تعليق