الهدنة.. انتصار الإرادة الفلسطينية وكسر غطرسة الاحتلال

 الحمد لله على نعمة الإسلام، الحمد لله على نور الإيمان، الحمد لله منزل الفرقان، والصلاة والسلام على رسول الله على آله وصحبه ومن والاه

وبعد..

تعسرت عليّ البداية من فرط الفرحة ولم أدري من أي الجهات أدخل إلى الموضوع، وكنت أحب أن أكتب عن الخبر فور سماع به، حتى لا أفقد شعلة المشاعر التي غزت قلبي وعقلي لكن لم يتيسر لي ذلك، وصادف الأمر أن كان بيدي كتاب المهندس محمد إلهامي "خلاصة قصة فلسطين والصهونية من الجذور حتى طوفان الأقصى" الذي أعدت قراءته مرة ثانية لأني لم أكمله المرة الأولى.. فتتبعت الخبرة من مصادر كنت اعتمد عليها فيما يتعلق بحرب غزة سريعا، وعدت ألتهم صحفات الكتاب الذي شغلني عن محيطي حتى وجدت نفسي قد تجاوزت منتصف الكتاب، ولم تراودني لحظة فكرة التوقف..

وكلما تقدمت بالقراءة اتسعت مداركي وتراطبت لدي اكثر فصول قصة فلسطين، وازددت دهشة وبدت لي بعض الأحداث من قبيل الأسطورة والخيال لفرض غرابتها..

لم يكن قصدي الحديث عن الكتاب أصالة وإن كان يستحق ذلك، إنما أردت أن أسجل بعد المشاعر والخواطر عن طوفان الأقصى وعزة العزة، ولكثرة الجوانب التي تستحق أن يوقف عندها أجدني حيران من أي الجوانب أكتب، ولأني موضوع الهدنة هو الساخن حاليا فحوله سوف أدندن: 

مضت شهور طوال هي خمسة عشر من حيث العدد على بدأ معركة طوفان الأقصى، هي في حساباتنا مرت خاطفة وسريعة، لا نذكر منها سوى النتف من المناسبات والذكريات هنا وهناك ويقول أحدنا للآخر: ما أسرع الأيام! مر الشهر ومرت السنة دون أن أشعر!!

ولكنها مرت ثقيلة على أهل عزة اليوم فيها كأنه أسبوع، بل وأكثر، كل يوم منها يحمل ألما ووجعا لو قسم على أهل الأرض كلهم لوسعهم، رأوا فيها الويلات وذاقوا الأمرين.. يرتقي منهم في اليوم الواحد العشرات وأحيانا المئات.

أضف ذلك خذلان الأقارب، وغياب المعين، وصياح استغاثاتهم التي لم تجد آذنا صاغية. بل وصل الأمر إلى إعانة العدو عليهم وإغلاق المعابر دونهم، وترك أراذل خلق الله تنهش من لحمهم وتفعل بهم من تشيب له مفارق الولدان .. والله المستعان..

ولكن مع كل ذلك لم تلن قناتهم، ولم ينل العدو من رباطة جأشهم، وكان مجاهدوا المقاومة يثخنون فيهم من أول يوم في الحرب حتى إعلان الهدنة ووقف إطلاق النار مع أن غزة أصبحت مدينة أشباح ودمرت أكثرها ودخلتها قوات الاحتلال في الشهور الأولى بكل ما أوتيت من قوة.. ومن ورائها كل قوة الغرب بترساناتها العسكرية وأجهزتها الأمنية

وذلك أمر يستدعي الوقوف عنده طويلا، فإن ما حدث في غزة فوق حساب البشر، وتجلت فيها عظمة الله وسننه الكونية، وذلك أمر ينبغي على المسلم  أن يلاحظه ويتنبه له، ولا يمر عليه مرور الكرام..

ولعلي بهذا قد فتحت بابا واسعا، يحتاجا جهدا وشرحا والأهم من ذلك علما، وأنا لست أهلا لذلك كله، وقد كانت تلمع في ذهني نقطة جوهرية قد تكون جوابا من ناحية، وهي ليست من بناتي فكري في الحقيقة.. بل تحصلت عليها بعد قراءتي للكتاب الآنف الذكر عن جذور الصراع والمراحل التي مرّ بها وعن المآسي التي لحقت بهذا الشعب الكريم التي كان من أبرزها النزوح المستمر والتفرق الذي حصل له..

 والنزوح يا أعزك الله أم المآسي وأنكى ما ينتج عن الحرب، وأظن أن ذلك لا يحتاج دليلا

ما أعنيه هو أن هذا الشعب الفلسطيني ما زالت ذاكرته حية ولم ينسى التهجير في ١٩٤٨ ولاحقا في ١٩٦٧ وأثناء ذلك وبعدها، فقد عرف أنه كلما نزح عن بقعة من أرضه لكي ينجو بحياته كلما ازدادت شهية الاحتلال وكلما تنازل طلبا للسلامة كلما تمادى العدو، ولهذا ووجدناه بهذا الصمود المنقطع النظير وأبى الخروج عن أرضه مع أن الظروف الصعبة التي كانوا فيها كانت تفرض عليهم ذلك..

لأنهم يعلمون جيدا أن الخروج يعني تسليم الأرض وعدم العودة، لذلك آثروا الرباط في أرضهم وكان لسان حالهم كما قال أحد الشعراء: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد

لنفسي حياة غير أن أتقدما

وعلموا كذلك أن الثبات فرض أمر به الشارع: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا لَقيتُم فِئَةً فَاثبُتوا وَاذكُرُوا اللَّهَ كَثيرًا لَعَلَّكُم تُفلِحونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]


ووالله إن لأهل عزة دين كبير على رقابنا، كشفوا لنا حقائق كانت محجوبة عنّا، ولأنهم أرونا ضعفنا وقلة حيلتنا مقابل قوتهم، وأنا أصحاب دنيا وأنهم أصحاب آخرة..

ألا شُلّت يد أرادتهم بسوء، وقطع الله لسانا طعن فيهم، وبلا الله بالعمى عينا سهرت في الكيد لهم

ولا شك أن قرار الهدنة كان نصرا عظيما، فليس النصر أن نغرز رايتك في قلعة العدو فحسب، وأن يُولي عدوك الأدبار، فإن ألا يتحقق مراد العدو وتحول بينه وبين أهدافه وذلك ما حصل بالفعل فكان من أكبر أهداف الاحتلال أن يحرر الأسرى بالقوة وأن يقضي على حركة حماس قضاء مبرما وذلك لم يحصل، وجلس رغما أن أنفه على طاولة المفاوضات ضاغرا ومعترفا بالهزيمة، وتلك ضربة قاصمة سيمتد أثرها إلى أن تتحرر فلسطين كلها من الصهاينة بإذن الله عاجلا غير آجل..

ويكفي أن تعلم أن الأمر في حقيقته نصر أن تسمع تصريحات كلا الطرفين، تجد الشموخ والعزيمة المتّقدة من جانب المقاومة في مقابل الصغار والدعوة بالثبور والويل من جانب الاحتلال..

فالحمد لله أولا وآخرا.. 


تعليقات

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. النصر في فلسطين ليست مجرد قضية تحرير الأرض ووقف إطلاق النار فقط بل استعادة مجد أمة وكرامة أمة بأكملها تعيش الجراح العميقة بكامل جسدها بسبب أنواع السهام الإستعمارية المسمومة التي التفرق والشبهات الفكرية حتى أنهكت هذا الجسد الضئيل فأمرضتها وأسقمتها وأقعدتها حتى صار مقيدا عاجزا .
    وأيضا قضية فلسطينليست قضية تهزم بل هي وقود تحيي روح كل مقاوم يقاوم الظلم والإضطهاد ، وهذا ماشاهدناه في أعيننا، ترى الشاب الحزين عن أسرته التي لم ينج واحدا منهم ويقول:
    سأبذل في سبيل الله روحي
    وإن كثرت على دربي جروحي
    وخلاصة القول "قد تحتل الأرض لكن الإرادة الحرة لن تهزم أبدا " وكما قيل من قبل :
    نصبرُ للصّعبِ حتى ننتصرْ **فالنصرُ بالصّبرِ دوماً يُعتبرْ
    وإن تأخّرَ مجدُ الحقِّ يوماً **فإنّ وعدَ اللهِ حقٌّ يُنتظرْ
    #نصر من الله وفتح قريب#

    ردحذف

إرسال تعليق