دخلت عليَّ
هذا المساء، بينما كنت غارقًا في أفكاري، طفلة صغيرة غاية في البراءة، قطعت عليَّ
سلسلة تأملاتي. قمت إليها، ظنًا مني أن أمها أو أحدًا آخر أرسلها لشراء قرص مسكن
أو دواء مما يتعاطاه الناس بكثرة مفرطة، وكأنه قطعة شوكولاتة، بل أكثر من ذلك.
قبل أن
أسألها، أدهشني لون عينيها البني الجميل، إذ لم يكن مألوفًا كثيرًا ونادرًا ما
أراه. كانت تحمل على رأسها كيسًا أسود، وضعت عليه يدها الصغيرة حتى لا يفلت منها
شاحبة الوجه يبدوا أنها لم تأكل شيا منذ الصباح. سألتها:
— ماذا تريدين؟
أجابت بصوت
خافت، يغمره الرجاء:
— عمّي، أعطني ثلاثة آلاف شلن، ثمن
المواصلات حتى أتمكن من العودة إلى بيتي.
تكرر هذا
الطلب عليّ مرارًا من قبل أطفال كُثُر، فسألتها:
— أين بيتك يا صغيرتي؟
قالت:
— في (داابيامبو).
وهو حيّ بعيد
بالفعل، بينما نحن الآن في منتصف السوق المركزي.
سألتها
مجددًا:
— ما الذي جاء بك إلى هنا؟
قالت:
— تركت بيتنا لأطرق أبواب البيوت طلبًا
للطعام، وهذا الكيس يحمل ما حصلت عليه اليوم.
— مع من تعيشين؟ أين أبوك؟
— أعيش مع أمي، وأبي رجل مسنّ يعيش في
البادية.
وأضافت أنها
ليست وحدها، بل معها أخريات في سنها.
أعطيتها
المبلغ الذي طلبته، وقلت لها:
— خبئيه جيدًا يا صغيرتي.
وحين خرجت،
أتبعتها بنظري، فكانت هزيلة الجسد، حافية القدمين، ترتدي ملابس غير نظيفة. ذهبت
وذهب قلبي معها...
هذه الطفلة
نموذج متكرر في مدينتنا، حيث يعيش أطفال في عمر الزهور حياةً بائسة بلا طعام ولا
تعليم، بلا استمتاع أو لعب كما ينبغي لأمثالهم. كان الأليق بهذه الطفلة الوديعة أن
تلبس أجمل الثياب، يوضع على رأسها تاج البراءة، وتذهب مثل غيرها إلى الكُتَّاب
لتتعلم، لا أن تطوف البيوت والأسواق تتسول الطعام، وتمشي حافية تحت هجير الشمس.
وقبل أن تدخل
عليّ هي كان جاءني فتى صغير طلب مني كيسا فارغا كان بجانب الباب ظن أن فيه طعاما..
قال أنه جائع ويريد آخذه.. إن لله وإنا إليه راجعون.
طالما كوى
قلبي مشهد الفقراء والمعدمين الذين يجوبون الطرقات، ومن يقومون في المساجد يطلبون
عونًا من المصلين. والحقيقة المرّة أن المجاعة تضرب المدينة، وأن آلافًا يعيشون
تحت خط الفقر، حتى الذين يعملون في أشقّ المهن – كالبناء وحمل الأثقال – لا
يحصّلون قوت يومهم. وإن مرض أحدهم أو أصابته نائبة، لا يجد معينًا ولا معيلًا،
فيظل يكدّ ويتعب حتى تذبل زهرة حياته، بل حتى يصل إلى الشيخوخة... والله المستعان.
إنه لأمر ذو
شجون أن ترى أناسًا يعيشون هذه المعيشة القاسية، بينما إلى جانبهم آخرون متخمون
شبعًا، يسرفون في الطعام واللباس وكل شيء، فأين العدل؟ وأين حق الجيرة؟ بل أين
الإيمان؟
مجتمعنا يطفح
بالمظالم، من أعلى رأس الهرم إلى أسفله. السلطة لا تهتم بحال الناس ولا بكيفية
عيشهم، ولا ترى أن عليها واجبًا تجاه رعيتها، بل جلّ ما يهمها جمع الضرائب، التي
لا تعفي منها حتى الفقير المسكين الذي لا يجد ما يسدّ به جوعته.
أين هم من
عمر بن الخطاب، الذي كان يخشى أن يُسأل عن بغلة تعثرت في العراق، فكيف بالبشر؟
لا أرى
لجانًا مجتمعية تعمل بجدّ لرعاية هؤلاء المساكين، فغاية ما يوجد هو كفالات للأيتام
هنا وهناك، وجلّها برعاية هيئات خارجية.
وأحلف غير
حانث، أن مدينتنا وحدها، إن أخرج أغنياؤها زكاة أموالهم بإخلاص، فإنها تكفي
وزيادة، ولو أُنشئت لجنة دائمة تجمع التبرعات وتعيل هؤلاء الناس، لتحسنت أحوالهم.
ولكن أين نجد مثل هذا؟
إن هذه
القضية تجعل المجتمع كسيحًا، لا يتقدم إلى الأمام، وتزيد من التباغض والنعرات
وتثير حزازات النفوس. وهي ليست مقتصرة على مدينتنا وحدها، بل تمتد إلى كل مدن
الوطن.
اللهم الطف
بعبادك المستضعفين، وارزقهم من فضلك الواسع.

تعليقات
إرسال تعليق