ذوق العبودية.. لماذا نجد الطاعة ألذ بعد التوبة؟



"قوافل العائدين" كان عنوانًا لمحاضرة للشيخ خالد الراشد - فكّ الله بالعز أسره - يحكي فيها عن العائدين والتائبين إلى الله سبحانه وتعالى، الذين قضوا ردحًا من الزمن بعيدين عن أنوار المحبة الإلهية، وعن لذة الطاعة وسكينة العبودية. ثم مَنَّ الله عليهم بالتوبة، فعسلت ذنوبهم، وطهرت قلوبهم، وزكّت عقولهم، وكأنهم وُلدوا من جديد.

مثل هؤلاء يكون إقبالهم على الطاعة كبيرًا، فتراهم أحرص على الصلوات ونوافل العبادة، ويكثرون من الذكر، لا سيما في مواسم الخير مثل رمضان. بل كلنا كذلك، فإن طعم العبودية لله وطعم القربات ألذ بعد التوبة، وكأن الذنوب سور متين يحول دون التلذذ بالطاعات، أو داءٌ يذهب بحاسة الذوق—ذوق العبودية.

الأمر الذي أثار هذا المعنى في نفسي هو أنني بعد صلاة الفجر اليوم سلّم عليّ شاب كان يصلي بجانبي، واستسمحني أن يسألني ثلاثة أسئلة عن الصلاة، فأجبته. ثم أخذنا الحديث واسترسل يسأل عن الأذكار، وكيفية الخشوع في الصلاة، وعن القرآن وما يجب حفظه، وأمور أخرى.

أخبرني أنه طالب طب يدرس في كينيا، يخطط أن يسافر إلى أمريكا حيث يسكن والده ليكمل دراسته. تلسمت من حديثه أنه إنسان طيب - وإن كان مظهره لا يُنبئ بذلك - يحب أن يتقرب من ربه ويحسن عبادته، لأنه ذكر أثناء كلامه أكثر من مرة أنه ضيّع الكثير من وقته في اللهو، وكان ينبغي أن يستثمر وقته فيما ينفعه فلم يفعل.

ظنّ إذ رآني لابسًا ثوبًا أبيض وشالًا حول عنقي أنني شيخ أو داعية أو ما شابه، ولم يدرِ أنني مقصر أكثر، وأحسن القائل:

أَحسَنَ اللَهُ بِنا أَنَّ
الخَطايا لا تَفوحُ
فَإِذا المَستورُ مِنّا
بَينَ ثَوبَيهِ فُضوحُ

حاولت جاهدًا أن أخبره أن طريق العودة إلى الله شريف، وأن التوبة ليس كل الناس يُؤتاها، وأنه في خير ما دام يسير إلى الله، وأن عليه أن يتعلم الأساس من دينه.

ودّعته بعد أن سألته عن اسمه وأخذت رقمه، وقلت له: سوف أتواصل معك فيما بعد.

تساءلت: أين دور العلماء وأئمة المساجد في الأخذ بأيدي مثل هؤلاء الشباب العطشى؟ أليس دور المسجد أن يأوي إليه التائب والضائع والمهموم حتى يجد الدواء؟ بدل أن يضيع في طريق عودته، ويأخذ معلوماته وما يعرض له من أمور دينه من مواقع التواصل الاجتماعي، ومن أمثالي... الله المستعان.


تعليقات