تيجان الرؤوس.!

سلامٌ على أهل غزة الأبيّة، فديتُ أرواحكم يا تيجان الرؤوس وملح الناس..
ماذا عسى الضعيف البعيد أن يفعل من أجلكم؟

يألمه مصابكم، وتوجعه جراحاتكم، وقد أُغلقت أمامه أبواب النصرة، وقُيّد بسجن الوطن، فلا يستطيع حراكًا..

مضت أكثر من ٦٠٠ يوم على حرب غزة، وما زال القتل والتجويع مستمرًا، ولم يزل أهل غزة البواسل يضربون أسمى معاني الصبر؛ لا تزيدهم ضربات العدو إلا قوة.

آخر تلك المحن التي أصابت أهلنا في غزة: قصفهم للتكايا وأماكن توزيع المساعدات في رفح، وما كانت تلك المساعدات إلا طُعمًا استُدرِج به الأبرياء الذين قرصهم الجوع. ولا يُلام أهل غزة على ذهابهم لأخذ المساعدات التي أرسلتها أمريكا وفرنسا، لأن الجوع كافر كما قالوا.

يتعلقون بالقشّة، لأن القريب والجار، المشارك في الدين والنسب، قد خذلهم..

أعجبُ جدًّا، ولا يزال عجبي يتجدد، كلما ارتقى شهيد أو مجموعة شهداء، ثم يخرج الناجون يُصلّون عليهم صلاة الجنازة، ويقفون على القبر يتأكدون أنهم صامدون ومُحتسبون، وأنه: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، ويقولون: "يا رب، خُذ منّا حتى ترضى."
حقًا كما قال أحدهم: "إننا لم نعش زمن الصحابة، ولكننا عشنا زمن غزة والقسام."

وما من شك أن سكان غزة بشرٌ من لحمٍ ودم، تُؤلمهم الجراح، وتَتَوجّع قلوبهم لفقد أحبتهم، ولكنهم أعطوا من الصبر الحظ الأوفر.
وكما قال الرسول الكريم ﷺ:
"ما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر."

لقد رقّت غزة كل مصيبة، وهَوّن فَقدُ أهلها كل فَقد، وصار الواحد يخجل من نفسه أن يحزن على الأمور الصغيرة، بل حتى أن يُطيل الحزن على فقد أحد أحبته، إذا قارن نفسه بأهل غزة، حيث يرتقي العشرات من الأسرة الواحدة، ولا تجد الجزع والدعوة بالويل.

وأقرب مثال: الطبية الغزية آلاء النجار، التي ارتقى تسعة من أولادها دفعة واحدة، والوحيد الباقي في حالة حرجة، بين الحياة والموت.
لهذا، علينا -كما قال أحد السلف- أن نترك البكاء والحزن لأهله..

جبر الله مصابنا، ورحم الله ضعفنا، ونسأله سبحانه أن يعجل بالفرج، وأن تضع هذه الحرب أوزارها.

تعليقات